. أكرم شمص
مشروع “من النيل إلى الفرات” هو فكرة توسعية صهيونية قديمة، تهدف إلى توسيع نفوذ إسرائيل ليشمل أجزاء من مصر، الأردن، سوريا، العراق، ولبنان. على الرغم من أن هذا المشروع لم يتحقق بشكل كامل حتى الآن، فإن المحاولات الإسرائيلية للهيمنة على المنطقة لم تتوقف، سواء عبر الحروب أو التطبيع. في المقابل، كانت المقاومة الإسلامية، خاصة حزب الله، حاجزًا أمام تحقيق هذه الرؤية.
فكرة “من النيل إلى الفرات” ليست مجرد حلم إسرائيلي، بل هي مشروع توسعي يتم دعمه سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وإسرائيل تسعى من خلال الحروب والتطبيع مع بعض الدول إلى تحقيق هذا الحلم، لكنها تواجه عقبات رئيسية تتمثل في المقاومة. حزب الله، على وجه الخصوص، يعتبر القوة الإقليمية التي تقف في وجه هذه الطموحات الإسرائيلية. وتستند فكرة “من النيل إلى الفرات” إلى بعض النصوص الدينية اليهودية التي تشير إلى أن الله قد وعد بني إسرائيل بأرض تمتد بين هذين النهرين. ومن هذه النصوص، ما ورد في سفر التكوين 15:18: “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”.
هذه الرؤية الدينية تم استغلالها سياسياً فيما بعد لتبرير التوسع الجغرافي الإسرائيلي، رغم أن الحكومات الإسرائيلية الرسمية نادراً ما تروج علنياً لهذا الهدف، إلا أن الفكرة موجودة في سياق النقاشات الأيديولوجية لدى بعض الأطياف الصهيونية. ويرتبط مشروع “من النيل إلى الفرات” بأهداف سياسية واقتصادية تسعى إلى تحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى”، حيث يؤمن بعض الأطراف الصهيونية المتطرفة بضرورة امتداد إسرائيل لتشمل أجزاء من مصر، الأردن، سوريا، العراق، والسعودية. على مر العقود، استخدمت إسرائيل الحروب والاتفاقات والعمليات العسكرية لتعزيز نفوذها الإقليمي وتحقيق توازن استراتيجي يخدم مصالحها، ما أدى إلى تقويض القوى المعارضة. إلى جانب السيطرة السياسية والعسكرية، يسعى هذا المشروع إلى الهيمنة الاقتصادية عبر السيطرة على الموارد الطبيعية الغنية، مثل المياه والنفط، في هذه المناطق.
الشرق الأوسط الجديد: خلفية تاريخية واستراتيجية
بعد حرب العراق عام 2003، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بتطوير مفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، وهو مشروع يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يتوافق مع مصالحهما الاقتصادية والسياسية. يقوم هذا المفهوم على تقسيم المنطقة جغرافيًا وسياسيًا لتعزيز الهيمنة الإسرائيلية، وضمان وصولها إلى الموارد الطبيعية مثل الغاز والنفط. بمساعدة أمريكية، سعت إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المنطقة من خلال التحالفات السياسية والعسكرية، ولكن المقاومة، وخاصة حزب الله، حالت دون ذلك، كما حدث في حرب 2006 التي أثبتت فيها المقاومة قدرتها على التصدي للأهداف الإسرائيلية.
التشابه بين مشروعي “من النيل إلى الفرات” والشرق الأوسط الجديد
هناك تشابه كبير بين المشروعين، إذ يسعيان لتحقيق الهيمنة الإقليمية عبر إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. يتضمن مشروع “من النيل إلى الفرات” توسيع حدود الكيان الغاصب لتشمل مساحات واسعة من دول الجوار، بينما يعتمد مشروع “الشرق الأوسط الجديد” على تفكيك الدول وإضعافها لتعزيز الهيمنة الإسرائيلية الأمريكية. كلا المشروعين يسعى للسيطرة على الموارد الطبيعية، ويعتمد على التدخل العسكري لتحقيق أهدافه. الفرق بين المشروعين هو أن “الشرق الأوسط الجديد” يعتمد على التدخل الدولي والتحالفات الإقليمية، في حين أن “من النيل إلى الفرات” يعتمد على التوسع الجغرافي المباشر.
الأهداف الاقتصادية والتوسع الإسرائيلي
تسعى إسرائيل، من خلال مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة، خاصة في قطاع الغاز والنفط. يتم دعم هذه الاستراتيجية من قبل الولايات المتحدة التي تعمل على فرض السيطرة الاقتصادية على المنطقة. تتزامن هذه الجهود مع محاولة إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، بما يشبه اتفاقيات سايكس-بيكو، لكن بأسلوب جديد يعتمد على القوة العسكرية والتدخلات المباشرة.
صدق أفلاطون حين قال: «الموتى فقط من شهدوا نهاية الحرب»، فالأحياء يستمرون في معاناتهم من مآسيها، خصوصاً في الشرق الأوسط حيث يتلاشى الأمل في غدٍ أفضل بوجود كيان مؤقت يطلق على اسمه إسرائيل. ومنذ اجتياح غزة وبدء الحرب الإسرائيلية، برز التساؤل حول ما سيحدث بعد القضاء على الفصائل الفلسطينية، وتكررت المأساة الآن مع التحضير لغزو لبنان، مما يجعل “الشرق الأوسط الجديد” الذي يتحدث عنه نتنياهو بل ويحلم به يفتقر إلى مكان لدولة فلسطينية. ولكن كما يُقال: «الشيطان في التفاصيل»، فالتاريخ يثبت أن الاحتلال دائماً يولد المقاومة، تماماً كما حدث في الجزائر التي رغم استعمارها لمدة 130 عامًا، انتهى الأمر برحيل فرنسا.
الشرق الأوسط الجديد الذي يريده نتنياهو وائتلافه اليميني، يكمن في عدم الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير للفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم المستقلة. والحروب المتكررة، منذ عام 1948 حتى اليوم، زادت من تعميق الصراع. فالقوة العسكرية لم تقدم حلاً دائماً، وما يُسمى “الأمن الإسرائيلي” بات مفهوماً فضفاضاً يتوسع مع الزمن. والشرق الأوسط الجديد الذي يطرحه نتنياهو ليس إلا نسخة متجددة من الهيمنة التي يسعى لتحقيقها. وتصريحاته الأخيرة حول “بروز شرق أوسط جديد” بعد العمليات العسكرية ضد حزب الله وحماس تعكس طموحات إسرائيل في إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالحها. ولكن هذه الطموحات تصطدم بواقع المقاومة القوية التي تعيق تنفيذ هذا المشروع.
دور المقاومة في مواجهة المشروع
المقاومة، وبخاصة حزب الله وحماس، تمثل عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق المشروع الإسرائيلي للشرق الأوسط الجديد. هدف إسرائيل الأساسي هو القضاء على هاتين القوتين لإضعاف نفوذهما في المنطقة. حزب الله، الذي يتمتع بنفوذ قوي في لبنان، يمثل تحديًا دائمًا أمام محاولات الهيمنة الإسرائيلية، لا سيما مع تزايد قدراته العسكرية. يشدد نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، في خطاباته المتكررة، على أن المقاومة ليست فقط حقًا مشروعًا، بل ضرورة للدفاع عن الأرض والسيادة. ويؤكد سماحته على أن المقاومة، التي تربت على يد الأمين العام الشهيد السيد حسن نصر الله، تشكل الدرع الذي يحمي المنطقة من الأطماع الإسرائيلية والأمريكية. وهنا يعكس خطابه الثقة العالية في قدرة المقاومة على التصدي للتوسع الإسرائيلي وإحباط مشروع الشرق الأوسط الجديد، كما ظهر في استخدامه لعبارة “سنمسك برسن العدو”.
منذ بداية الصراع، كانت المقاومة تسعى لتحقيق توازن القوى عبر التصعيد العسكري المدروس. حرب 2006 كانت مثالاً واضحاً على قدرة المقاومة على توجيه ضربات قوية إلى إسرائيل، ما أدى إلى كسر هيبتها العسكرية. في البيان الأخير الصادر عن غرفة عمليات المقاومة الإسلامية، تم التأكيد على أن المقاومة مستعدة للتصعيد إذا استمر العدوان الإسرائيلي.
واليوم تشترك خطابات الشيخ نعيم قاسم وبيانات المقاومة في رفض مشروع الشرق الأوسط الجديد بشكل قاطع. يؤكد كلا المصدرين على مشروعية المقاومة وضرورة التصدي للمشروع التوسعي الإسرائيلي ليس فقط عبر الدفاع، بل من خلال التصعيد الهجومي المدروس. حيث تقوم استراتيجية المقاومة على مبدأ الاستنزاف الطويل الأمد والتخطيط المدروس، وهو ما يجعلها لاعباً رئيسياً في منع تحقيق أهداف المشروع الإسرائيلي الأمريكي.
رسالة محاولة اغتيال نتنياهو عنوان تصدي المقاومة
إسرائيل تسعى، من خلال مشروع “من النيل إلى الفرات”، إلى توسيع نفوذها الإقليمي والسيطرة على الموارد الطبيعية. تستند هذه الفكرة إلى نصوص دينية تم استغلالها سياسياً لتبرير التوسع الجغرافي. وعلى الرغم من أن الحكومات الإسرائيلية لا تروج علنياً لهذا المشروع، إلا أنه يظل هدفاً محتملاً لدى بعض الأطياف الصهيونية المتطرفة.
ومع ذلك، يشكل حزب الله وحماس، جنباً إلى جنب مع القوى الإقليمية الأخرى، عقبة رئيسية أمام تحقيق هذا المشروع. حرب 2006 كانت درساً لإسرائيل، حيث أثبتت المقاومة قدرتها على إحباط المحاولات التوسعية الإسرائيلية، وأظهرت أن مشروع “من النيل إلى الفرات” لن يمر بسهولة في ظل وجود مقاومة قوية.
من غير الممكن إقامة مشروع “من النيل إلى الفرات” أو تحقيق “الشرق الأوسط الجديد” في ظل وجود مقاومة قوية ومتطورة قادرة على استهداف القيادات الصهيونية، كما رأينا في محاولات استهداف بنيامين نتنياهو، صاحب فكرة إحياء هذا المشروع. المقاومة لم تعد مقتصرة على ساحات القتال التقليدية بل انتقلت إلى مرحلة متقدمة من الصراع، حيث تستطيع الآن ضرب العمق الإسرائيلي وتعريض القيادات السياسية والعسكرية للخطر المباشر.
استهداف نتنياهو يشير إلى تحول استراتيجي كبير في الصراع، ويؤكد أن المقاومة قادرة على الوصول إلى مواقع حساسة وإرباك إسرائيل على مستوى القيادة. هذا التحول يعكس القوة المتزايدة للمقاومة، التي لم تعد مجرد جهة تدافع عن الأرض، بل أصبحت قوة تهاجم في العمق وتضرب نقاط الضعف في الكيان الصهيوني.
بوجود هذه المقاومة، التي تضعف معنويات الاحتلال وتزعزع استقراره السياسي، تصبح فكرة إقامة مشروع توسعي كـ “من النيل إلى الفرات” أو إعادة تشكيل المنطقة بما يتماشى مع “الشرق الأوسط الجديد” مستحيلة. المقاومة اليوم ليست فقط عسكرياً، بل هي قوة سياسية ونفسية تجبر الاحتلال على إعادة التفكير في طموحاته التوسعية. ضرب العمق الإسرائيلي، بما في ذلك محاولة اغتيال نتنياهو، يمثل رسالة واضحة بأن المشروع الصهيوني بأكمله مهدد بالانهيار.
الخلاصة
يعد مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه امتدادًا لفكرة “من النيل إلى الفرات”، وكلاهما يهدف إلى فرض هيمنة إسرائيلية إقليمية باستخدام القوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية. ومع ذلك، يقف حزب الله وحماس عائقًا أساسيًا أمام تحقيق هذه الرؤية. المقاومة، التي أثبتت قوتها في حرب 2006 وما بعدها، ستظل قوة مانعة أمام تنفيذ المشروع التوسعي الإسرائيلي. فكما حدث في الماضي، ستواصل المقاومة التصدي لأي محاولة لتفتيت المنطقة أو السيطرة على مواردها، مما يجعل تنفيذ هذا المشروع التوسعي هدفًا بعيد المنال في ظل الصمود والمقاومة المتماسكة.
“وعد نتنياهو المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة بالعودة قريباً إلى منازلهم، في حين يعجز هو عن العودة إلى منزله. مشهدٌ يجسد المفارقة العميقة بين الوعود السياسية الفارغة والواقع الذي يفرض نفسه بقوة. بات الاحتلال محاصراً بالخوف والقلق، حيث تواصل المقاومة ضرباتها وتعيد رسم معادلة القوة، ليصبح حديث العودة مجرد سراب أمام واقع لا يسمح حتى لنتنياهو بعبور عتبة أمانه الشخصي.” وهذا اليوم التاريخي، الذي ضربت فيه المقاومة قلب القرار الإسرائيلي، سيبقى رمزًا لصمود الأحرار وتضحيات الشهداء، ودليلاً على أن الاحتلال مهما استمر، فإن زواله يقترب ومشاريعه ساقطة مع كل ضربة توجهها المقاومة.