د. أكرم شمص
الذاكرة كمرآة السيادة
ليس التطبيع مجرد خيار سياسي، بل هو لحظة اختبار عميقة لمعنى السيادة. وفي لبنان، لا يُقرأ هذا الاختبار إلا من خلال الذاكرة، لأن التاريخ هنا ليس ماضيًا منتهيًا، بل هو معيار حيّ يُقاس عليه الحاضر. من اتفاق 17 أيار إلى مشهد التفاوض في واشنطن، يتكرر السؤال ذاته: هل يمكن لاتفاقٍ أن يعيش خارج ميزان القوة؟ التجربة اللبنانية تقول بوضوح: كل اتفاق لا يسكن وجدان الناس، يسقط مهما بدا متماسكًا على الورق.
اتفاق 17 أيار: ولادة خارج التاريخ وسقوط داخله
لم يكن سقوط اتفاق 17 أيار حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة حتمية لخلل في التكوين. اتفاق وُلد تحت ضغط الاحتلال، بلا شرعية داخلية، وبلا توازن يحميه. ما غاب عن طاولته حضر في الشارع، وما لم يُكتب في نصوصه كُتب في الميدان. المقاومة الفتية آنذاك لم تملك فائض السلاح، لكنها امتلكت فائض الإرادة. ومع تراكم الفعل، تحوّل الاتفاق من مشروع سياسي إلى عبء، ثم إلى صفحة مطوية في سجل السقوط.
واشنطن: عودة الشكل بغياب المضمون
اليوم، يتكرر المشهد بصورة مختلفة. وفد لبناني يجلس في واشنطن، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع العدو الإسرائيلي. لكن التغيير هنا شكلي أكثر منه جوهريًّا. فالتطبيع، مهما تغيّر اسمه، يبقى محاولة لفرض تسوية خارج ميزان القوة الحقيقي. السؤال ليس في مكان التفاوض، بل في شروطه: هل هو امتداد لما تحقق، أم تجاوز له؟
من المقاومة الفتية إلى معادلة الردع
الفارق بين الأمس واليوم ليس تفصيلًا. المقاومة التي أسقطت اتفاقًا مفروضًا في الثمانينيات، لم تعد في موقع الدفاع الأولي. ما كان تجربة ناشئة، أصبح بنية متكاملة: خبرة، وقدرة، ووعي استراتيجي. هذه المعادلة الجديدة لا تسمح بإعادة إنتاج اتفاقات قديمة، لأن شروطها لم تعد قائمة. لم يعد الداخل هشًّا، ولا الميدان صامتًا.
الانبطاح الرسمي: حين تنفصل السياسة عن الواقع
في مقابل هذا التحول، يظهر مسار رسمي انبطاحي يتعامل مع التفاوض كملاذ، وكقراءة قاصرة للتوازن. هذا المسار يراهن على الخارج، ويعتقد أن تخفيف الضغط أولى من تثبيت الشروط. لكنه يغفل حقيقة بسيطة: الاتفاق الذي لا يحميه الميدان، يسقط ولو حُمِل بكل الأختام الدولية.
الهدنة الهشة: إدارة الحرب لا إنهاؤها
وهنا تتجلى أزمة “الهدنة الهشة”. فكما يظهر الواقع، لا وقف حقيقي للنار، بل إدارة لها. تُمنح التسمية السياسية للتهدئة، بينما يبقى الميدان مفتوحًا على الخروقات. وهذا ما يجعل الهدنة أقرب إلى استراحة تكتيكية منها إلى حل. الجنوب، كما يشير التحليل الميداني، لا يعترف بالمصطلحات، بل بالوقائع. فإذا استمر القصف، سقطت الهدنة، مهما كُتبت عنها البيانات.
في هذا السياق، يبرز الموقف الذي عبّر عنه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد، والذي يقدّم تعريفًا حادًا لمفهوم الهدنة: أي هدنة تتيح للعدو الاستمرار في إطلاق النار أو تثبيت مواقع أو تنفيذ اغتيالات وتدمير، ليست هدنة بل غطاء سياسي لاستمرار العدوان. هذا التوصيف لا يعبّر فقط عن موقف سياسي، بل ينسجم مع واقع ميداني تُسجَّل فيه خروقات يومية، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى أي مسار تفاوضي لا يُترجم وقفًا فعليًا وشاملًا للنار.
بين لبنان السياسي ولبنان الميداني
تتعمّق الأزمة حين ينفصل القرار السياسي عن الحقيقة الميدانية. هناك لبنان يتفاوض، ولبنان يقاتل. لبنان يسعى إلى التهدئة، ولبنان يواجه. هذا الانقسام لا يضعف الموقف فقط، بل يهدد شرعية أي اتفاق. لأن الاتفاقات لا تُبنى على نصوص، بل على وحدة الإرادة.
التطبيع كأزمة تعريف لا خيار سياسي
المشكلة في التطبيع ليست في كونه اتفاقًا، بل في كونه تعريفًا للعلاقة. هل هو اعتراف بواقع مفروض، أم محاولة لتغييره؟ في الحالة اللبنانية، يبقى التطبيع غريبًا عن بيئته، لأنه يصطدم بوعي جمعي لم يقبل يومًا تحويل الصراع إلى علاقة طبيعية. وهنا يصبح التطبيع مشروعًا هشًا، لأنه بلا حاضنة.
المساران: الإلغاء أم الكرامة
في عمق المشهد، ينقسم لبنان إلى مسارين، مسار يريد إنهاء الصراع بأي ثمن، ولو كان الثمن داخليًا، ومسار يرى أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الحفاظ على الوطن يبدأ من رفض الإلغاء. واليوم، تختصر المعادلة بجملة واحدة مكثّفة: هناك مساران لا يلتقيان، مسار يسعى إلى التخلّص من الآخر بأي ثمن، ومسار يقاتل ليحفظ كرامة هذا الآخر قبل كرامته. بين هذين الاتجاهين، لا يدور الخلاف السياسي التقليدي، بل صراع على تعريف لبنان نفسه: هل هو مساحة إلغاء أم مساحة شراكة؟
دروس التاريخ: ما يُفرض يسقط
كل اتفاق فُرض بالقوة، سقط بالصمود. هذه ليست قراءة أيديولوجية، بل قاعدة تاريخية. لا سلام في ظل اختلال دائم، ولا استقرار في ظل فرض أحادي. وما لم يُبْنَ على توازن، لن يعيش مهما طال الزمن.
لبنان اليوم أمام مفترق واضح: إما أن يكرر تجربة اتفاق وُلد في الخارج وسقط في الداخل، أو أن يفرض معادلة تنطلق من الداخل ويُعترف بها في الخارج.
التطبيع ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل نتيجة ميزان قوة. والمقاومة التي أسقطت اتفاقًا وهي فتية، باتت اليوم أكثر قدرة على فرض شروطها. أما الهدنة الهشة، فهي ليست نهاية الحرب، بل شكل آخر من أشكالها. وفي هذا التوازن الدقيق، يُكتب المستقبل: إما اتفاق يُوقَّع ثم يسقط، أو معادلة تُفرض ثم تُحترم.
