د. أكرم شمص
استهداف إسرائيل لمؤسسة القرض الحسن قبل زيارة المبعوث الأمريكي عاموس هوكستين ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو محاولة يائسة للتأثير على ثقة الشعب اللبناني بمؤسساته وعلى قدرته في مقاومة الضغوطات الاقتصادية والسياسية. وكان الشهيد القائد السيد حسن نصر الله واضحاً في خطابه حينما صرّح بأن “مؤسسة القرض الحسن قوية ومتينة ولن تنهار”، وقتها أكد أن هذه المؤسسة هي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي للمقاومة، ولن تتمكن الضغوطات الإسرائيلية أو الأمريكية من إيقافها.
مؤسسة القرض الحسن تأسست عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحصلت على ترخيص رسمي من وزارة الداخلية اللبنانية في عام 1987. تهدف المؤسسة إلى تقديم قروض حسنة للمواطنين لمساعدتهم في حل مشكلاتهم الاجتماعية، مثل تمويل مشاريع صناعية وزراعية، أو شراء مساكن، أو حتى مساعدات للزواج، دون تمييز بناءً على الدين أو المنطقة. وتعمل المؤسسة من خلال نظام المساهمات، حيث يتبرع الميسورون لدعم المحتاجين. ورغم الجدل حول طبيعة عملها، حيث يصفها البعض بأنها تعمل كمصرف غير قانوني، إلا أنها مستمرة في توسيع نشاطها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية.
دلالات الهجوم الإسرائيلي:
- إفلاس عسكري واضح: لجوء إسرائيل إلى استهداف الأهداف المدنية والمالية، مثل مؤسسة القرض الحسن، يعكس إفلاساً عسكرياً واضحاً بعد الفشل في تحقيق أي تقدم ميداني يُذكر على الجبهة. إسرائيل لم تتمكن من كسر المقاومة عسكرياً، فاختارت استهداف البنية التحتية للمؤسسات المالية في محاولة لإضعاف قدرة المقاومة على الاستمرار. هذه الضربات تهدف إلى تدمير المعنويات وخلق حالة من عدم الثقة بين الشعب والمقاومة، إلا أنها لم تحقق ذلك.
- التوقيت السياسي: توقيت الضربة الإسرائيلية تزامن مع زيارة المبعوث الأمريكي عاموس هوكستين إلى لبنان، مما يبرز السعي الإسرائيلي لإيصال رسالة مزدوجة للداخل والخارج. من ناحية، تحاول إسرائيل استغلال زيارة هوكستين لتوجيه ضغوط على المقاومة وحلفائها عبر الدبلوماسية، ومن ناحية أخرى، تسعى لإظهار قوتها العسكرية كأداة لتحقيق أهدافها السياسية.
- التواطؤ الإعلامي والسياسي: الهجوم الإسرائيلي جاء بالتوازي مع حملة إعلامية وسياسية من أطراف معادية للمقاومة داخل لبنان. وسائل الإعلام مثل قناة MTV وغيرها سعت إلى زعزعة ثقة الناس بمؤسسات المقاومة، عبر تقارير ساخرة وموجهة مثلما جاء على لسان مارسيل غانم عندما تساءل: “هل سيبقى القرض الحسن؟” هذه الهجمات الإعلامية هي جزء من “التعليمة العوكرية”، وهي حملة ممنهجة تهدف إلى زعزعة ثقة الناس بالمقاومة وخلق حالة من الانقسام الداخلي.
استراتيجية المقاومة أمام الهجوم:
كان الشهيد القائد سماحة السيد حسن نصر الله قد أوضح منذ فترة طويلة أن مؤسسة القرض الحسن ليست مجرد مصرف مالي، بل هي جزء من مشروع المقاومة. في خطابه الشهير، قال سماحة الشهيد القائد السيد حسن نصر الله بوضوح: “بلطوا البحر!”، وهو تعبير يعكس الثقة الكاملة بأن محاولات تدمير هذه المؤسسة لن تؤدي إلى انهيارها. هذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل من تجربة طويلة في مواجهة الضغوطات والحصار، سواء العسكري أو الاقتصادي.
حزب الله كان على علم بأن أهدافاً مثل القرض الحسن قد تكون عرضة للهجوم، ولهذا السبب، تم اتخاذ احتياطات شديدة لضمان حماية حقوق المودعين وأموالهم. بالفعل، تم نقل الأصول والأموال من مباني المؤسسة إلى أماكن آمنة بعيدة عن الاستهداف. ما دمره العدو الإسرائيلي في هجماته هو مبانٍ مدنية فارغة، ولكن جوهر المؤسسة بقي سليماً.
صمود المؤسسة المالية:
مؤسسة القرض الحسن نجت من هذا الهجوم بفضل التخطيط المحكم والرؤية الواضحة التي وضعتها قيادة المقاومة. وهذا تأكيد لوصية الشهيد القائد السيد حسن نصر الله، بأن حقوق المودعين محفوظة والأموال مؤمنة، ولا يمكن لإسرائيل أن تؤثر على استمرارية عمل المؤسسة أو الثقة بها. هذه المؤسسة لا تعتمد فقط على البنية التحتية المادية، بل هي جزء من منظومة اقتصادية مبنية على التكافل الاجتماعي والتعاون الشعبي.
ردود الأفعال الشعبية كانت واضحة أيضاً في إظهار دعمها للمقاومة. إحدى المواطنات من منطقة الشياح صرحت بعد الهجوم قائلة: “ذهبنا ليس هنا.. وإنما على جبهة القتال حيث مقاومونا يقاتلون.” هذا التصريح يعكس بوضوح أن الشعب الذي يقف خلف المقاومة لا يعتمد على الماديات بقدر ما يعتمد على القيم والمبادئ التي يدافع عنها.
دور الإعلام الإسرائيلي:
الإعلام الإسرائيلي لم يستطع إخفاء حقيقة أن الهجوم على القرض الحسن لم يحقق أهدافه. حتى وسائل الإعلام الإسرائيلية أقرت بأن حزب الله لم ينهار مالياً، بل تمكن من التغلب على هذا التحدي كما تغلب على تحديات سابقة. الهجمات على المؤسسات المالية ليست جديدة، لكنها لطالما فشلت في إضعاف المقاومة.
المقارنة بين حزب الله وحماس في غزة تبرز نقطة مهمة: إسرائيل، رغم كل محاولاتها، لم تتمكن من إلغاء أو تدمير هذين الكيانين المقاومين، لأنهما لا يعتمدان على البنية التحتية المادية فحسب، بل على دعم شعبي واسع وإرادة قوية. كما لم تستطع إسرائيل إلغاء حماس في غزة رغم سنوات من الحصار والقصف، فإنها لن تتمكن من إلغاء حزب الله في لبنان.
مواجهة “التعليمة العوكرية“:
التعليمة العوكرية، كما يصفها المحللون، هي محاولة مستمرة لخلق جو من التشكيك في المقاومة وزعزعة ثقة الناس بها عبر نشر الشائعات والأكاذيب. هذه الحملة الإعلامية تحاول إظهار المقاومة بأنها ضعيفة وعاجزة، بينما الواقع يعكس العكس تماماً. المقاومة تمكنت من إفشال كل محاولات العدو لاختراق صفوفها أو التأثير على صمودها، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي.
وسائل الإعلام التابعة لغرف عوكر تحاول دائماً الربط بين الضغوط العسكرية والسياسية والإعلامية، لخلق بيئة من الفوضى والتشكيك. لكن الشعب اللبناني الذي مرّ بتجارب طويلة من الحروب والحصار أصبح أكثر وعياً وقدرة على فهم هذه المحاولات.
في سياق الهجمة الإعلامية المتواصلة على مؤسسة القرض الحسن، قدمت قناة MTV اللبنانية تقريراً قبل أيام يتناول هذه المؤسسة بسخرية. وفي إحدى حلقات برنامج “صار الوقت”، تساءل مارسيل غانم بنبرة تهكمية: “هل رح يبقى القرض الحسن؟” هذا التساؤل يثير العديد من التساؤلات حول نوايا هذا النوع من التغطية الإعلامية. فهل كانت هذه السخرية مجرد لفت نظر عابر، أم أنها توجيه متعمد من غرف العمليات المعادية؟ من الواضح أن الأمر ليس محض صدفة.
لطالما دأبت قناة MTV على توجيه رسائل إعلامية تنتقد المقاومة ومؤسساتها، وقد ظهر ذلك جلياً في الطريقة التي تغطي بها الأحداث المتعلقة بحزب الله. بل إن مراسل MTV في واشنطن، الذي يُعرف بعلاقاته الوطيدة مع الجهات المعادية للمقاومة، تم الترحيب به بشكل خاص من قبل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ما يعكس العلاقة الوطيدة بين هذه المحطة وأجندات معادية لحزب الله.
هذا النمط من التغطية الإعلامية لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة، بل قد يكون جزءاً من حملة أوسع تهدف إلى توجيه ضربات معنوية عبر الإعلام. بذريعة حرية الإعلام، يحاول هذا الفريق الكشف عن أسرار المقاومة وإفشائها، ويستبيح تصوير الأماكن الحساسة، بما فيها تلك التي يعدّ تصويرها خلال الحرب جريمة يعاقب عليها في جميع أنحاء العالم، حتى في الكيان الصهيوني، حيث يعاقب بالسجن من ينشر أي تفاصيل لم تسمح بها الرقابة العسكرية. أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري مخاطبة الحكومة ووزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام والسلطات القضائية المعنية بهذا الملف، إذ أن ما يقوم به هذا الفريق الإعلامي، المنتمي إلى غرف مظلمة تصنع التعليمات في عوكر، لا يشكل فقط انتهاكاً للقوانين بل اعتداءً على الإنسانية جمعاء. التغاضي عن محاسبتهم يمنحهم فرصة للاستمرار في التحريض والتجنيد لخدمة أهداف العدو، مما يهدد بإشعال الفتن وحتى القتل.
ضرب الاقتصاد الإسرائيلي هو الاستراتيجية للرد على قصف مؤسسة القرض الحسن
إن الرد على استهداف مؤسسة القرض الحسن سيكون عبر ضرب العمق الاقتصادي الإسرائيلي، وهو ما ألمح إليه الشهيد القائد السيد حسن نصر الله في خطاباته السابقة، حينما تحدث عن مواقع المصانع الإسرائيلية التي تعد شرياناً حيوياً لاقتصاد العدو. السيد نصر الله أكد في تلك الخطابات أن المقاومة تمتلك معلومات دقيقة حول هذه المصانع، وأن استهدافها سيكبد العدو خسائر كبيرة.
إن ضرب القرض الحسن يمثل خطأ استراتيجياً فادحاً من جانب العدو، لأن هذه المؤسسة ليست مجرد مركز مالي، بل رمز اقتصادي للمقاومة والشعب. استهدافها لن يؤدي إلى انهيار المؤسسة كما يتوهم العدو، بل سيزيد من تماسك المقاومة واستعدادها للرد بالمثل على البنية الاقتصادية الإسرائيلية.
هذا الهجوم يعكس ضيق أفق العدو واستمرار اعتماده على استراتيجية استهداف المدنيين والمؤسسات المالية، ظناً منه أن هذا سيضعف المقاومة. لكن ما يغفله العدو هو أن المقاومة قد أعدت العدة للرد، وأن أي ضربة للمقاومة ستقابل بضربات أكثر إيلاماً على البنية التحتية الاقتصادية الإسرائيلية، مما يجعل من استهداف المصانع والمواقع الحيوية للعدو خطوة منتظرة في أي تصعيد قادم.
الخلاصة:
الهجوم الإسرائيلي على مؤسسة القرض الحسن هو جزء من محاولة يائسة لضرب المقاومة في نقاط ضعفها الاقتصادية، إلا أن هذا الهجوم، مثل غيره من المحاولات السابقة، لن يحقق أهدافه. مؤسسة القرض الحسن لن تنهار لأنها تعتمد على منظومة اقتصادية متماسكة وشبكة دعم شعبية قوية.
كما قال القائد الشهيد السيد حسن نصر الله، “نحن نواجه التحدي بالتحدي”. المقاومة لم تنكسر أمام الضغوط العسكرية، ولن تنكسر أمام الضغوط الاقتصادية. الشعب اللبناني والمقاومة يسيران معاً في طريق الصمود والتحدي، ولن تنجح أي محاولة لزعزعة هذه الثقة.
العدو الإسرائيلي قد يواصل هجماته، ولكن النتيجة ستكون دائماً واحدة: صمود المقاومة وانتصار الإرادة الشعبية على كل محاولات القهر والاستهداف.
