. أكرم شمص
المقدمة:
مع اقتراب الانتخابات الأمريكية في ظل استمرار الصراع في غزة ولبنان، تتزايد أهمية الدور الأمريكي في رسم السياسات الإقليمية، ويتضح ذلك من تأثير مواقف المرشحين كمالا هاريس ودونالد ترامب على الناخبين الأمريكيين وخاصةً العرب والمسلمين. من جهة أخرى، تتخذ إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو موقف الانتظار والترقب للنتائج، حيث تسعى للاستفادة من الدعم الأمريكي المستمر لدعم أهدافها الإقليمية. يتناول هذا المقال أثر الانتخابات الأمريكية على الصراع، ويستعرض تطلعات القوى الإقليمية ومحاولات التأثير في مسار السياسة الأمريكية.
1. تأثير الأصوات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة:
يشكل الناخبون العرب والمسلمون في الولايات المتحدة شريحة مهمة، خاصة في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان وويسكونسن، حيث تعتبر أصواتهم حاسمة في بعض الأحيان. تشهد هذه الشريحة الاستياء من الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل في الصراع، مما قد يدفعها إلى الامتناع عن التصويت لكمالا هاريس أو حتى التصويت لمرشح ثالث، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام الديمقراطيين في سباقهم الانتخابي. ويتوقع المحللون أن يكون موقف المرشحين من الصراع وتأثيراته الإقليمية محوريًا في توجيه خيارات الناخبين العرب والمسلمين.
2. مواقف المرشحين الأمريكيين تجاه الصراع في الشرق الأوسط
• كمالا هاريس: تتبنى هاريس مواقف تدعو لوقف إطلاق النار ومعالجة الأوضاع الإنسانية في غزة، لكنها في ذات الوقت تدعم “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، ما يجعل مواقفها تبدو غير متوافقة تمامًا مع تطلعات الجالية العربية-الأمريكية. يعبر بعض الناخبين العرب والمسلمين عن استيائهم من نهج الحزب الديمقراطي الذي يرونه غير كافٍ لتحقيق تغيير فعلي في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
• دونالد ترامب: يُعرب ترامب عن تأييد قوي لإسرائيل، ويؤكد على ضرورة “النصر الحاسم” لإسرائيل على حماس وحزب الله. يعد ترامب خيارًا مفضلاً للناخبين المؤيدين لإسرائيل في الداخل الأمريكي، كما يمثل دعمه المتواصل لنتنياهو موقفًا يشكل فارقًا كبيرًا في علاقات أمريكا بإسرائيل.
3. نتنياهو واستراتيجية الانتظار والترقب
يعتمد بنيامين نتنياهو استراتيجية الترقب لنتائج الانتخابات الأمريكية لتحديد مسار سياساته، حيث يفضل عودة ترامب الذي قدم دعمًا استثنائيًا لإسرائيل خلال ولايته السابقة. وقد أشار تقرير The Times of Israel إلى أن نتنياهو يبذل جهدًا للحفاظ على توازن علاقاته مع الإدارة الحالية تحسبًا لأي تطورات غير متوقعة في الانتخابات. يتجلى هذا الترقب في سياسة إسرائيل المتشددة تجاه إيران وحزب الله، حيث يسعى نتنياهو إلى دعم أمريكي مطلق ضد هؤلاء الخصوم الإقليميين، وهو ما قد يتسنى له أكثر في حال فوز ترامب.
4. الدوافع السياسية والشخصية لنتنياهو وأثرها على الصراع
تُظهر التحليلات أن نتنياهو يتبع نهجًا يتجاوز المصالح القومية لإسرائيل، ليخدم طموحاته الشخصية ويضمن استمراره السياسي. يواجه نتنياهو تحديات سياسية داخلية، بما في ذلك اتهامات بالفساد وضغوط من وزراء اليمين المتطرف، مما يجعل من الصراع الحالي وسيلة للحفاظ على دعم الحلفاء المتطرفين في حكومته. ويبدو أن نتنياهو يعوّل على أن أي تصعيد قبل الانتخابات الأمريكية سيصب في مصلحة ترامب، بينما يضعف موقف الإدارة الحالية أمام الناخبين الأمريكيين.
5. دعم الولايات المتحدة لإسرائيل وأثره على الصراع في المنطقة
• سياسة بايدن الحذرة تجاه إسرائيل: تظهر إدارة بايدن دعمًا لإسرائيل مع حذر ملحوظ، حيث تكتفي بتقديم تحذيرات متواضعة حول عمليات التصعيد الإسرائيلية. هذا الدعم المحدود يتماشى مع رغبة بايدن في تحقيق توازن بين تأييده التقليدي لإسرائيل ومحاولته كسب دعم الناخبين العرب والمسلمين. ومع ذلك، يبدو أن إسرائيل تتعامل مع هذه السياسة بحذر وترى فيها فرصة لاستمرار عملياتها العسكرية مع الحد الأدنى من الانتقادات الأمريكية.
• التباين بين مواقف هاريس وترامب: بينما تدعو هاريس إلى تهدئة الأوضاع، يصر ترامب على تحقيق إسرائيل للنصر دون تقديم تنازلات. هذا التباين في الخطاب السياسي يُبرز الاختلاف بين الحزبين تجاه إدارة الصراع، ويجعل من موضوع الدعم الأمريكي لإسرائيل محورًا للنقاش في السباق الانتخابي، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الشعبية لدور الولايات المتحدة في الأزمة الإنسانية في غزة.
6. تأثير الدعم الأمريكي على الداخل الإسرائيلي
يعكس الدعم الأمريكي لإسرائيل، المتواصل منذ عقود، تشجيعًا غير مباشر على تصعيد الصراعات، حيث تستمر إسرائيل في تبرير هجماتها على غزة ولبنان بدعوى الدفاع عن أمنها القومي. ويعتمد نتنياهو على هذا الدعم لإقناع حلفائه في الداخل بأن التصعيد ضد حماس وحزب الله، بل وحتى ضد إيران، ضروري للحفاظ على أمن إسرائيل. هذا النهج يجعل من أي انتقادات دولية غير ذات تأثير حقيقي ما دام الدعم الأمريكي متاحًا، خاصة في ظل توتر العلاقة مع الإدارة الديمقراطية.
7. الولايات المتأرجحة ودور الناخبين العرب والمسلمين في الانتخابات الأمريكية
يشكل الناخبون العرب والمسلمون قوة انتخابية مهمة، خصوصًا في ولايات متأرجحة مثل ميشيغان وويسكونسن، التي قد تكون حاسمة في تحديد الرئيس القادم. وتواجه كامالا هاريس تحديًا كبيرًا في كسب دعم هذه الشريحة التي تشعر بخيبة أمل من استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل. تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع دعم الناخبين العرب والمسلمين للحزب الديمقراطي، ما يعكس أزمة ثقة بينهم وبين الديمقراطيين قد تؤدي إلى تصويت غير محسوب أو دعم لمرشح ثالث.
8. جهود الإدارة الأمريكية لتحقيق هدنة مؤقتة قبل الانتخابات
تسعى الإدارة الأمريكية لتحقيق هدنة مؤقتة تخفف من التصعيد في غزة ولبنان، خاصةً في ظل الأهمية الانتخابية لهذه الخطوة، إذ يأمل الديمقراطيون في تخفيف حدة التوترات الإقليمية لكسب دعم الناخبين المترددين. ومع ذلك، يظل هناك معارضة من حلفاء نتنياهو المتطرفين لفكرة الهدنة، حيث يرون أن استمرار العمليات العسكرية يخدم أهدافهم الإقليمية ويدعم مواقفهم السياسية، ما يجعل من تحقيق هدنة دائمة أمرًا صعبًا حتى بعد الانتخابات.
9. النظرية الصهيونية الكبرى وتأثيرها على العلاقات الإقليمية
يعرض بعض المحللين فكرة “إسرائيل الكبرى” كجزء من تطلعات نتنياهو وحلفائه اليمينيين، وهي فكرة تعتمد على توسيع النفوذ الإسرائيلي لتشمل مناطق من الدول المجاورة مثل لبنان وسوريا. يرى البعض أن هذه النظرية تلعب دورًا في تفسير السياسة الإسرائيلية الحالية تجاه غزة ولبنان وإيران، حيث تسعى إسرائيل لترسيخ سيطرتها العسكرية في المنطقة كخطوة لتحقيق أهدافها التوسعية.
الخاتمة: مستقبل العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية بعد الانتخابات
بغض النظر عن نتائج الانتخابات، ستظل السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل متأثرة بتوجهات الإدارة القادمة، حيث من المرجح أن يؤدي فوز كمالا هاريس إلى استمرار الضغوط على إسرائيل لدفع مسار السلام مع الفلسطينيين. أما في حال فوز ترامب، فقد تتجه العلاقات نحو دعم غير مشروط لإسرائيل، مما يفتح المجال لنتنياهو لتنفيذ أجنداته دون القلق من العواقب الدبلوماسية. تعد الأيام القليلة المقبلة حاسمةً لتحديد مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتداعياتها على الصراع في غزة ولبنان، وهو ما قد يسهم في تشكيل علاقات أمريكا مع المنطقة لسنوات مقبلة.