“على العهد باقون”… خطاب الشيخ نعيم قاسم بين ثوابت المقاومة وحدود الدولة

د.اكرم شمص

المقدمة

في زمنٍ يعلو فيه صوت المساومات وتُنسج فيه خيوط الضغوط السياسية من الخارج والداخل، أطلّ الأمين العام لحزب الله، سماحة الشيخ نعيم قاسم، بخطاب حاسم، نابض باليقين، وراسخ في عقيدة المقاومة. لم تكن كلماته مجرد ردّ على الحملة المتصاعدة لنزع السلاح، بل كانت خارطة طريق سياسية وعقائدية، أعادت تثبيت المعادلة السيادية: لا نقاش في سلاح المقاومة قبل انسحاب الاحتلال، وقيام الدولة بواجباتها، وبدء مسار الإعمار والسيادة الحقيقية.

في لحظة إقليمية مشحونة، جاء خطاب الشيخ قاسم استمرارية لنهج السيد الشهيد، لا مجرد موقف ظرفي، مؤكدًا أن سلاح حزب الله ليس مطروحًا على الطاولة، لا في العلن ولا في الخفاء، وأن هذا السلاح ليس مشروعًا قابلًا للتفاوض، بل هو “خط أحمر حماه الدم والصمود”.

وإذ بسماحته وكأنه استحضر وصية الشهيد الاسمى السيد حسن نصر الله بأن “اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة ستُقطع”، فإنه لم يكتف بالتحذير، بل قدّم رؤية استراتيجية دقيقة، مفادها أن الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية لا يبدأ من نزع السلاح، بل من تحرير الأرض، وقف العدوان، وترسيخ الشراكة الوطنية في القرار السيادي.

في الداخل، جاء الخطاب تفنيدًا لكل محاولات تحويل سلاح المقاومة إلى “مشكلة داخلية”، بينما انتفض الإعلام الإسرائيلي غاضبًا من فحوى الرسائل، محذرًا من تهجير جديد لمستوطنات الشمال. وبينما يتثاءب بعض الغربيين استخفافًا، تُرعبهم الحقيقة الأهم: أن المقاومة لم تتراجع، بل ازدادت وضوحًا في خطابها واستعدادًا في ميدانها.

إنه خطاب الصدق والوضوح… خطاب قال فيه الشيخ قاسم: “نحن لا نبني على الخسائر والأرباح… بل على الموقف، والموقف مقاومة.”

أولًا: المقاومة… عقيدة مشروعة وسلاح سيادي

منذ اللحظة الأولى، حرص الشيخ نعيم قاسم على إعادة تأطير سلاح حزب الله في خانته الطبيعية: رد فعل مشروع على الاحتلال، وسدّ لفراغ الدولة في حماية الأرض والشعب.

وقدّم السلاح من خلال بعدين متكاملين:

  • البُعد الإيماني: تحرير الأرض واجب عقائدي يتجاوز الجغرافيا، ويستمد مشروعيته من قيم المقاومة والالتزام الديني والروحي.
  • البُعد الوطني: الدفاع عن لبنان من مشروع إسرائيلي توسعي يريد اقتطاع الجنوب وفرض التوطين.

وأكد أن سلاح المقاومة ليس فوضى ولا تجاوزًا، بل خيار استراتيجي نابع من الضرورة السيادية، مشيرًا إلى أن تجربة العقود الأربعة الماضية أثبتت أن هذا السلاح هو الذي حمى لبنان ومنع اختراقه.

ثانيًا: السلاح ضمانة الردع وحماية السيادة

شدّد الشيخ قاسم على أن المقاومة شكّلت حائط الصد الوحيد أمام مشروع الاحتلال الإسرائيلي، وأن ما تحقق من وقف للعدوان كان نتيجة مباشرة للصمود وليس منّة من أحد.

  • المقاومة منعت إسرائيل من تحقيق أهدافها في الليطاني وبيروت، وفي تهجير السكان وتفكيك بنية الدولة.
  • إسرائيل لا تلتزم بالاتفاقات، وقد ارتكبت أكثر من 2700 خرق منذ وقف إطلاق النار.
  • السلاح هو الحاجز الوحيد أمام لبنان المُلحَق بالمشروع الصهيوني، ومن يظن أن نزعه سينهي التوتر، يغفل حقيقة أن العدو لا يحتاج ذريعة للاعتداء بل يخشى ميزان الردع.

ثالثًا: لا نقاش قبل تنفيذ الالتزامات… ورفض قاطع لنزع السلاح

أعلن الشيخ قاسم بوضوح أن الحديث عن استراتيجية دفاعية لا يمكن أن يبدأ قبل تنفيذ الشروط الوطنية الأساسية:

  1. انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
  2. وقف كل أشكال الخروقات والاعتداءات البرية والجوية والبحرية.
  3. بدء الدولة اللبنانية بمشروع إعمار فعلي في المناطق المتضررة.

واعتبر أن ربط الإعمار بالسلاح هو ابتزاز سياسي مرفوض، بل العكس هو الصحيح: “نربط نحن السلاح بالإعمار، لا العكس”.

وأكد أن نزع السلاح “خدمة للعدو الإسرائيلي” و”فتنة لن تحصل”، وأن السلاح ليس محل نقاش بل وسيلة سيادية لردع عدوان خارجي مستمر.

رابعًا: صبر المقاومة ليس ضعفًا… بل حكمة رادعة

في ختام خطابه، أرسل الشيخ قاسم رسالة مزدوجة: الصبر ليس عن عجز، بل عن حكمة، وأن القرار بالردّ بيد المقاومة، في الوقت والمكان المناسبين.

  • أكد أن الثبات خيار استراتيجي، والموقف هو المقاومة.
  • وجّه رسالة للداخل والخارج: “لسنا ضعفاء، نحن أهل المواجهة، ولن نسلّم السلاح لا بالحوار ولا بالقوة.”

خامسًا: رسائل استراتيجية متعددة… من الداخل إلى الخارج

  1. إلى الداخل اللبناني: رفض تحويل السلاح إلى مشكلة داخلية، والتأكيد على أنه ركن من أركان حماية السيادة.
  2. إلى العدو الإسرائيلي: وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الاشتباك. المقاومة باقية وجاهزة.
  3. إلى المجتمع الدولي: التزام كامل بالاتفاق، مقابل 2700 خرق إسرائيلي. لا للإملاءات.
  4. إلى الحلفاء: المقاومة باقية، لا مساومة على سلاحها، وكل صوت ضدها هو خدمة للعدو.

سادسا: رد واشنطن وأدواتها: “تثاؤب” يعكس عجزًا لا استخفافًا

جاء رد الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس على الخطاب بكلمة: تثاؤب، محاولة ساخرة للتقليل من أثر الخطاب. لكن الرد الحقيقي جاء من مضمون الخطاب نفسه، الذي حسم الموقف: لا مساومة على السلاح، ولا نقاش تحت الضغط، ولا إذعان أمام الهيمنة. وأظهر “تثاؤب” أورتاغوس عجز واشنطن عن الرد الحُجَجي والفكري على خطاب مقاوم واضح السيادة والرؤية. فالذي يتثاءب أمام خطاب المقاومة، إنما يفتقد البصيرة أو يتعامى عن التوازنات التي فرضها هذا السلاح في وجه العدوان. وكأن الشيخ نعيم رد عليها قبل ان تثاؤب بلهجة واثقة: فلتتثاءبي ما شئتِ… أما نحن، فمستيقظون على حراسة السيادة، وماضون على العهد.”

 

الخاتمة: “أنا على العهد”… سلاح المقاومة بين اليقين والسيادة

في ختام خطابٍ وُصف بأنه من أكثر المواقف تماسكًا ووضوحًا منذ بداية المواجهة ، أعاد الشيخ نعيم قاسم التأكيد على أن سلاح المقاومة ليس موضوعًا للنقاش أو التفاوض، فحزب الله لا يتحرك تحت الضغط، ولا يفاوض تحت التهديد، بل ينطلق من أرضية صلبة اسمها: خيار المقاومة وهو جزء جوهري من الهوية الوطنية والسيادة اللبنانية. فـ”حزب الله لا يُسلّم سلاحه قبل انسحاب الاحتلال ووقف العدوان وبدء الإعمار. وبلهجة الواثق، قالها بصراحة: لدينا خيارات، ولا نخشى شيئًا… نحن لسنا تنظيمًا فقط، نحن شعبٌ وأمةٌ ودماء شهداء.” وهذه ليست مجرد عبارة حماسية، بل تأكيد على أن المقاومة اليوم ليست فقط سلاحًا، بل هوية سياسية ووطنية، جزء من بنية الدولة، لا عقبة في وجهها. وسأل بصراحة: من انتخب الرئيس؟ من دعم الحكومة؟ من وقف في وجه الاحتلال؟” وفي هذا السؤال، أعاد رسم العلاقة بين الدولة والمقاومة: لا خصومة بين الطرفين، بل شراكة في مواجهة العدو، وتكامل في معادلة السيادة. والسلاح ضمانة لا عبء

الخطاب جاء في جوهره بمثابة مانيفستو سيادي جديد، يقول فيه حزب الله لكل الأطراف:المقاومة لن تتراجع. وسلاحها ليس مطروحًا للنزع. والحوار مرحّب به، لكن من موقع القوة، لا من تحت الطاولة.

وأي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة، ستُواجَه كما وُوجه الاحتلال.

وهكذا ختمها سماحته، بعبارة ليست فقط وفاءً للشهيد الاسمى السيد حسن نصر الله، بل تجديدًا علنيًا لعهد لا يُكسر:أنا على العهد…”سلاح المقاومة سيبقى في موقعه، حتى لا يعود الاحتلال إلى موقعه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عاجل
ظاهرة المنجمين هل هي ظاهرة طبيعية ام مخطط لبرمجة الأدمغة الإعدام المنظومي للأسرى الفلسطينيين – جريمة بغطاء أمريكي الجبهة الداخلية الإسرائيلية: إطلاق صفارات الإنذار في مناطق بالجليل الأعلى بعد رصد صواريخ من لبنان نائب رئيس البرلمان الإيراني: قرار الحرب والسلم والمفاوضات من صلاحيات المرشد ولم يصدر أي إذن للتفاوض الجيش الإسرائيلي: إصابة 48 ضابطا وجنديا في معارك جنوب لبنان خلال الساعات الـ24 الماضية صحيفة "تيليغراف" نقلا عن ترامب: أدرس بجدية انسحاب أميركا من حلف شمال الأطلسي الدفاع البحرينية: اعتراض وتدمير 186 صاروخًا و419 مسيّرة منذ بدء الاعتداء الإيراني "رويترز": الدولار ينخفض مع تزايد الآمال في وقف حرب الشرق الأوسط ستارمر: الحرب في الشرق الاوسط ليست حربنا ولن ننجر إلى هذا النزاع أ ف ب: غارات تستهدف منطقة قريبة من مبنى السفارة الأميركية سابقا في طهران خامنئي في رسالة لأمين عام حزب الله: إيران ستواصل دعم المقاومة الإسعاف الإسرائيلي: نتعامل مع 11 موقعا سقطت فيها شظايا في تل أبيب الكبرى إثر هجوم صاروخي إيراني في صحف اليوم: بري أكد أن مشكلة السفير الإيراني جدّية ويجب أن تُحلّ وتبلغ من عراقجي أن أيّ حل للحرب ف... معاريف: على إسرائيل عدم خسارة فرصة أن حكومة لبنان تريد التخلص من حزب الله سلام عقد اللقاء الوزاري الدوري لمتابعة التطورات السياسية وخطة الاستجابة لمتطلبات النزوح والإغاثة مرقص: وزير الداخلية كشف عن بقاء عناصر من قوى الأمن الداخلي في القرى الأمامية الصامدة وزير العمل أصدر قرارًا بتمديد تعليق المهل وتعميمًا لتسهيل تقديم المعاملات للمواطنين الرئيس عون عرض مع السفير القطري التطورات المحلية والإقليمية وجدد إدانته للاعتداءات التي تتعرض لها قط... مخزومي: التضامن مع حق الدفاع عن النفس لا يُلغي أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة بفرض الأمن أسامة سعد تقدم باقتراح قانون "حظر التعامل مع إسرائيل": التهافت على التفاوض المباشر يعرض حقوق لبنان ل...