د. أكرم شمص
لطالما كان الإعلام سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن أن يُستخدم لنشر الوعي والمعرفة، أو يكون أداة بيد أعداء الأمة لتحقيق أهدافهم الخبيثة. من بين الأساليب المتبعة لاختراق المجتمع وإضعاف مقاومته ضد الاحتلال والعدوان هي عملية “التجسس العلني”، حيث يتم تجنيد شخصيات تبدو أنها مستقلة أو معارضة، لتكون أدوات لنقل معلومات وتحريض شعبي ضد عناصر المقاومة. أحد الأمثلة الصارخة على هذا النوع من الجواسيس هو رجل الدين الشيعي السابق، السيئ الذكر محمد علي الحسيني، الذي تحوّل من شخصية كانت تدعي الولاء للمقاومة إلى أداة إعلامية بيد أطراف معادية تسعى لضرب صمود الشعب اللبناني والمقاومة.
الجواسيس العلنية وتكتيكاتهم الإعلامية
منذ تأسيس حزب الله في الثمانينيات، برز الحزب كقوة مقاومة قادرة على مجابهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. هذه القوة لم تكن محط إعجاب الجميع، بل كانت على رأس قائمة استهدافات الأعداء، الذين لم يكتفوا بالاعتداء العسكري، بل سلكوا طرقًا أخرى لضرب المقاومة، ومنها استخدام الجواسيس العلنية. هؤلاء الجواسيس ينشطون علنياً تحت غطاء الإعلام وحرية التعبير، لكن في الحقيقة يقومون بنقل رسائل العدو وتعزيز الدعاية المضادة للمقاومة.
يعتبر محمد علي الحسيني مثالًا حيًا للجاسوس العلني الذي يستخدم منصات إعلامية إقليمية ودولية للتحريض ضد المقاومة وقادتها، وخاصة السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين. الحسيني، الذي ظهر في وسائل إعلام عربية مثل “العربية” السعودية، يستخدم خبرته السابقة وعلاقاته داخل حزب الله ليدّعي معرفة وثيقة بمخططات الحزب واستراتيجياته. هذه الادعاءات، التي تُبث بشكل متكرر، تهدف إلى تشويه سمعة قادة المقاومة وتقويض ثقة الجمهور بهم وتحرض العدو على اغتيالهم.
محمد علي الحسيني: من المقاومة إلى التحريض
تُظهر سيرة محمد علي الحسيني كيفية تحول شخص من داعم للمقاومة إلى أداة بيد العدو. وُلد الحسيني في لبنان ونشأ في بيئة شيعية، وانضم إلى صفوف حزب الله في شبابه وشارك في تحرير الجنوب اللبناني عام 2000. إلا أن هذا الانخراط لم يدم طويلاً، حيث بدأ الحسيني في الانشقاق عن الحزب بعد خلافات داخلية ومعارضته لبعض السياسات. أسس “المجلس الإسلامي العربي” وسرعان ما اتجه للتحريض ضد حزب الله وإيران.
ما يميز الحسيني عن غيره من الشخصيات المعارضة هو طريقته في استغلال منصبه السابق داخل الحزب لتقديم نفسه كخبير في الشؤون الداخلية للمقاومة، مستغلاً صوره القديمة مع قادة حزب الله لإضفاء مصداقية على ادعاءاته. هذا التحول ليس مجرد نزاع عقائدي أو سياسي، بل يعكس استراتيجية واضحة من قبل الحسيني لنقل رسائل العدو الإسرائيلي والمساهمة في الحملة الدعائية ضد المقاومة.
في تصريحاته المتعددة، زعم الحسيني أن إيران باعت نصر الله للاحتلال الإسرائيلي، محذراً من اغتيال نصر الله وداعياً إياه لكتابة وصيته. هذه التصريحات، التي جاءت قبل اغتيال نصر الله المفترض، لم تكن مجرد تحليل سياسي، بل تحريض علني يهدف إلى زعزعة الثقة في قيادة المقاومة وتصويرها على أنها مخترقة أو ضعيفة أمام العدو. ثم تلا ذلك إعطائه معلومات عن السيد هاشم صفي الدين وادعائه انه صلى على الأمين العام السيد حسن في الرادوف وكأنه يريد بذلك توجيه العدو الى ضرب منطقة الرادوف طيلة ثلاثة أيام متتالية وادعاء العدو انه اغتال سماحة السيد هاشم .
العمالة مع الموساد
في مايو/ أيار 2011، ألقت السلطات اللبنانية القبض على محمد علي الحسيني بتهمة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الموساد. وفي فبراير/ شباط 2012، أصدرت المحكمة العسكرية حكمًا بالسجن عليه لمدة خمس سنوات. إلا أنه في مارس/ آذار 2014، تم الإفراج عنه بقرار من محكمة التمييز العسكرية، ليغادر لبنان بعد ذلك.
خلال محاكمته، أنكر الحسيني التهم المتعلقة بالتخابر مع الاحتلال، لكنه أقر بوجود علاقات تربطه بمنظمة “مجاهدي خلق”، المعارضة للنظام الإيراني والمدعومة من الغرب. وقد ظهرت صور ومقاطع له وهو يقود مجموعة من المقاتلين في جبال لبنان قبل اعتقاله، دون أن يوضح الهدف من وجود جناح مسلح لـ “المجلس الإسلامي العربي” الذي أسسه.
ورغم نفيه وجود أي علاقة له مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن الحسيني، منذ الإفراج عنه، شارك في نشاطات تدعو إلى السلام، وروّج للتطبيع مع إسرائيل بالتعاون مع شخصيات دينية من دول أخرى.
وفي تصريحات مختلفة خلال مقابلاته وتغريداته، أشار الحسيني إلى أن العدو الرئيسي للمنطقة هو النظام الإيراني وحزب الله، مؤكداً على ضرورة إقامة علاقات سلام مع بقية الدول لمواجهة هذا الخطر الذي يراه مشتركًا.
وأضاف في تصريح سابق: “نحن ندعو الحاخامات، الكهنة، ورجال الدين المسلمين – سواء السنة أو الشيعة – للتنديد بالتقاليد والنصوص الدينية التي تحرض على العنف، لأنها أشد خطورة من الأسلحة النووية.”
التعاون مع الأعداء: السعودية وإسرائيل
منذ تجنيسه في السعودية عام 2021، أصبح الحسيني ضيفًا دائمًا على وسائل الإعلام السعودية التي تسعى لتقديمه كصوت معارض لحزب الله ومروّج للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي. منح الجنسية السعودية للحسيني كان خطوة واضحة لدعمه وتحويله إلى وسيلة لنقل الرسائل السعودية والإسرائيلية المعادية للمقاومة.
الحسيني لم يكتفِ بالتحريض ضد نصر الله، بل وصل إلى حد توجيه تحذيرات لقياديين آخرين في حزب الله مثل “أبو علي الطبطبائي” و”يوسف هاشم”، زاعمًا أنهما سيكونان الهدف القادم للاحتلال الإسرائيلي. هذا النوع من التصريحات يثير تساؤلات حول مدى اطلاع الحسيني على خطط العدو، وهل يتم تزويده بهذه المعلومات من جهات استخباراتية لإشعال الفتن وتحقيق أهداف معينة؟
التعاون بين الحسيني والسعودية لا يقتصر على التحريض الإعلامي، بل يشمل مشاركته في حملات الترويج للتطبيع مع إسرائيل تحت مظلة “السلام الإقليمي”. ففي عام 2020، زار الحسيني مع محمد العيسى، رئيس رابطة العالم الإسلامي، نصب “الهولوكوست” في بولندا، في خطوة مثيرة للجدل هدفت إلى تعزيز العلاقات بين السعودية وإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية.
الجواسيس العلنية: أدوات للتحريض الداخلي والخارجي
الحسيني ليس الشخصية الوحيدة التي تستخدم الإعلام للتحريض على المقاومة. هناك شخصيات أخرى تلعب دورًا مشابهًا في نقل رسائل العدو، مثل الإعلامية مريم مجدولين لحام التي تمارس التحريض العلني على قتل المسعفين، والصحفي طوني بولس الذي يحرض على ضرب المؤسسات الحيوية في لبنان مثل المصنع، والقاضي السابق بيتر جرمانوس الذي يستخدم مواقعه لتحليل فيديوهات تخص الشيخ نعيم قاسم، محاولًا كشف أماكن تواجده.
هذه الشخصيات تمثل نماذج للجواسيس العلنية الذين ينشطون في إطار استراتيجي مدروس يهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع اللبناني وضرب صمود المقاومة. الإعلام أصبح منصة أساسية لنقل الرسائل التحريضية وتوسيع دائرة الشك والانقسام داخل المجتمع. من خلال هذه الشخصيات، يتم تقديم روايات كاذبة ومعلومات مضللة حول قادة المقاومة بهدف التأثير على الروح المعنوية للمجتمع ودفعه إلى التشكيك في قيادته.
الخلاصة: خطورة التجسس العلني والتحريض الإعلامي
الجواسيس العلنية مثل محمد علي الحسيني يشكلون خطرًا كبيرًا على المجتمع، ليس فقط بسبب المعلومات التي ينقلونها إلى العدو، ولكن أيضًا بسبب قدرتهم على التأثير في الرأي العام وإشعال الفتن الداخلية. التحريض الإعلامي الذي يمارسونه يُعد أحد أخطر الأسلحة المستخدمة لضرب صمود الشعوب وتفكيك بنيتها المقاومة.
يجب على المجتمع أن يكون واعياً لهذه الشخصيات وأن يدرك أن دورها لا يقتصر على المعارضة السياسية أو الدينية، بل يتعدى ذلك إلى نقل رسائل العدو وتسهيل عملياته ضد المقاومة. الحذر من هؤلاء الجواسيس العلنية والتحصين الفكري ضد تحريضهم هو ضرورة وطنية لحماية المجتمع وضمان استمرار المقاومة في وجه الاحتلال والعدوان.
