توجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، في كتاب مفتوح لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالقول “لأننا بلحظة مصيرية تختلف عن كل لحظة لا بد من بيان الأمور كما هي، ومفادها أنّ لبنان مقسوم عامودياً بشدة، وهذا الأمر لازَمَ لبنان منذ نشأته الأولى، لدرجة أن قواه السياسية بمختلف مراحل هذا البلد ظلّت تعكس حجم الإرتباطات الإقليمية والدولية التي تعيد إنتاج لبنان وهويته ووظيفته وخياراته بطريقة تتناسب مع الإرتباط الإقليمي أو الدولي، واللافت أن أصل نشأة لبنان ارتبط بالعامل الدولي وظل كذلك بكل مراحله السياسية، بدءً من انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومات المتتالية وانتهاءً بالتوظيفات الأساسية بالدولة بما فيها قائد الجيش وحاكم المصرف المركزي ورؤساء الأجهزة الأمنية وغيرها من المواقع الحساسة سواء كانت مالية أو قضائية أو مدنية وغير ذلك”.
ولفت قبلان، الى أنه “منذ نشأة لبنان تمّ تركيب هذا البلد على طريقة إنتاجه القهري من الخارج وذلك بسبب انقسام وضعف الداخل، بحيث بدا لبنان صورةً خارجية أكثر منها داخلية، وبهذا السياق تمّ تشكيل السلطة الجديدة وكذا الحال فيما سبق وسط انقسام سياسي حاد ونفوذ أميركي كبير بهياكل لبنان، والبلد منذ نشأته مقسوم بالنفوذ الخارجي، ولكل خياره الإقليمي أو الدولي، كذا السلطة والفريق المتوافق معها وكذا نحن أو الفريق المختلف، لأن البلاد الصغيرة أو الضعيفة لا بد لها من ضامن إقليمي أو دولي، وهذه حقيقة جذرية بغابة النظام الدولي القائم على القوة والجبروت والغزو والإنتهاز، إلا أنّ الإختلاف يبقى بدواعي الإرتباط الخارجي وما يلزم عليه من جهة توظيفه الوطني وطبيعة الأهداف المرادة”.
وذكر أنه “يكفي خيارنا الوطني أنّه هزم إسرائيل واستردّ لبنان ودولته ومؤسساته لصالح المشروع الوطني والشراكة اللبنانية دون أي انتهاز أو ضرب للثقل الوطني وطبيعة هياكله وبنيته التاريخية، وذلك بسبب توظيفنا لخيارنا الإقليمي بمصالح لبنان وما يلزم للشراكة اللبنانية الفعلية، وهذا يختلف جذرياً مع الخيار الأميركي الذي واكب الإحتلال الإسرائيلي لبيروت بمتعددة الجنسيات ومدمراتها وترسانتها بهدف حسم هوية البلد وتأكيد تبعيته للمشروع الإسرائيلي، وهذا الخيار الأميركي هو نفسه الذي دعم كل حروب إسرائيل وشاركها القتل والإبادة والخراب بكل حروب لبنان والمنطقة، وهو نفسه اليوم الذي شارك إسرائيل هذه الحرب المصيرية للشرق الأوسط وانتهى بأسوأ فشل، وهو نفسه ما يجاهر به ترامب وإدارته وكل الإدارات الأميركية السابقة لجهة أن مصلحة أميركا بالشرق الأوسط ولبنان هي مصلحة إسرائيل دون فرق، ومحسوم أنّ إسرائيل كيان إرهابي مجرم قام ويقوم على العدوان والقتل والخراب والفظاعات ولا يلتزم بأي ميثاق أو قيم، وعينه فقط على إسرائيل الكبرى ومذابحها، والفصل بين واشنطن وتل أبيب فيما خصّ مصالح لبنان كذبة لا يصدقها أحد حتى أصحابها”.
وقال “هذا يعني أن الخيار الأميركي كارثي على لبنان وما يلزم لسيادته وواقع وجوده ومستقبله، ويكفي خيانة واشنطن لكل تعهداتها لكم منذ وقف إطلاق النار، وقد أحرجتكم بشدة وداست المواثيق والمصالح الوطنية دون خجل، ويلزم على ذلك أن التبعية لواشنطن أو التنازل لها أمر كارثي يطال صميم مصالح لبنان العليا، وهذا موضع الخلاف بيننا ولو من جهة ما يلزم عليه، وهذا ما يجب تفكيكه لحماية البلد والشراكة الوطنية ومنع السقوط بأي فتنة كارثية، خاصة أنّ تراث الإسلام والمسيحية يدعم الإلفة الوطنية بقوة ويدفع نحو الشراكة الأخلاقية بكل ثبات، والمشكلة التاريخية أو المعاصرة تكمن بالأزمة السياسية والصيد الطائفي ولعبة السواتر القذرة التي توقد نار الخوف والفتنة بين الطوائف بخلاف جوهر الإنجيل والقرآن والمنطق السماوي الذي يصرّ على الإلفة والشراكة والرحمة الأبدية، وتاريخ لبنان الأهلي قبل نشأة لبنان الكيان وبعده دليل كامل على حقيقة الشراكة والإلفة العائلية وتاريخ جبل عامل مع باقي الطوائف دليل مطلق على أنّ الشراكة التامة بين الطوائف أمر محسوم ومحتوم وناجح جداً، وما من فتنة طائفة نشبت إلا وكان شيطان السياسية أساسها، سواء كان بإسم المتصرفية أو الإنتداب أو التوظيف الخارجي أو أرباب الإقطاع الداخلي”.
وأضاف “لبنان بتركيبته الطائفية وواقعه السياسي وارتباطاته الإقليمية والدولية أكبر من أن يكون لأميركا أو غيرها من دول العالم، ومن يقرأ تواريخ الرؤساء السابقين والحكومات المتتالية ينتهي إلى حقيقة مفادها أنّ أي خصومة أو انقسام كبير بهذا البلد يعني خسارة الجميع بما في ذلك العامل الخارجي، والتاريخ اللبناني صريح بأنّ أي رئيس أو سلطة أو حكومة حتى لو كان لديها صلاحيات مطلقة أو أغلبية كاسرة لا يمكنها النهوض بهذا البلد على طريقة الخلاف الأساسي مع بعض المكونات الرئيسية في لبنان، وهذا أمر محسوم ومحتوم ومبرم وقد جرّبه كل من السادة شارل دبّاس وحبيب باشا السعد وإميل إده وألفرد نقاش وبشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل الحلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وبشير الجميل وأمين الجميل والياس الهراوي وإميل لحود وميشال سليمان وميشال عون وفخامتكم الآن تجرّبه وستنتهي إلى حقيقة مفادها أنّ واقع لبنان وطبيعة مكوناته أكبر من أي ارتباط دولي أو إقليمي، ويلزم عليه أنّ أي خيار يضع طوائف لبنان بوجه بعضها سيحرق لبنان، وأنت تعلم أن بداية الحرب الأهلية بدأت بالعام 1958 إنما بلغت ذروتها بالعام 1975وهذا يعني أنّ أكثر من نصف عمر لبنان حرب أهلية”.
وأردف “هذه الحرب أوشكت على النهاية ولم يستطع لا الأميركي ولا الإسرائيلي ولا كل الدعم الإقليمي والدولي تحقيق أي هدف استراتيجي لصالح إسرائيل، وهذه أكبر مصالح لبنان وهنا تكمن الضرورة الوطنية للمقاومة، ولا قيمة للأهداف التكتيكية المعدومة التي يصرخ نتنياهو فوق أطلالها، وهذا يعني أنّ لبنان صخرة قوية وقدرة نوعية يمكن أن تستثمر فيها قوى لبنان السياسية بما في ذلك السلطة الوطنية بعيداً عن لعبة الأمم ومشاريع التبعية المختلفة، والحدث اليوم له علاقة بمفاوضات تريدها السلطة اللبنانية مع إسرائيل عبر واشنطن، ومحسوم أنّ تل أبيب وواشنطن مصلحة واحدة وطغيان واحد ولا يريدان للبنان أي قوّة أو نفوذ أو كيان سيادي أو استقلال فعلي، فيما لبنان الرسمي لا يملك أي أوراق للتفاوض، والخصومة مع المقاومة واضحة ولا تخفيها كل سواتر العالم، كما لا يمكن لأحد أن يتجاوز المقاومة بهذا العالم، وأي خطأ كبير بهذا المجال يضع لبنان بالمحرقة ولا نريد للبنان أن يحترق، والقضية هنا ليست للعنتريّة بل لبيان حقيقة الأرض وواقع البلد حتى لا يحترق لبنان”.
وتابع “نحن نثق بنبيه بري وبعقله ووعيه وميزانه الذي يضبط الأشياء على العواقب وما يلزم للمصالح الوطنية، كما أنّ الثقة بالمقاومة فوق التصوّر، والنقاش هنا ليس بالتفاوض بما هو تفاوض بل بتوازنات القوة التفاوضية وأوراقها وما يلزم عليها، لأن مَن يفاوض بلا جيش على الحدود أو قوة داخلية أو وحدة وطنية أو تنسيق مع المقاومة التي تملك أهم أوراق القوة لن يستطيع أن يعطي شيئاً وسيخسر ويخسر معه وطنه، وأقصى ما يمكن أن يحصّله بهذه المفاوضات هو سمك بالبحر، والخطورة هنا بما يلزم من انقسام وطني وسياسي وتجييش داخلي وصيد إقليمي ودولي لحرق البلد، وهنا تكمن الطّامة الكبرى، لأنّ واشنطن لا تؤمن بالمفاوضات الفارغة بل بما يمكّنها من السيطرة على مراكز النفوذ في لبنان، وهي الآن تملك نفوذاً هائلاً وأنتم تعلمون ذلك بشدة، وهذا يضع مكّونات البلد بوجه بعضها البعض، لأن القضية تتعلّق بخيارات كبيرة لا يمكن لأحد أن يتفرّد بها كما هي الحال مع 17 أيار، والحل بقراءة تاريخ الرؤساء الذين سبقوا وما جرى بهذا البلد والكوارث التي أطاحت بالشعارات والأفكار الورقية، لأننا نريد أن نعيش معاً لا أن نحرق لبنان”.
وختم: “لا يمكن لأي رئيس أو حكومة أو سلطة مهما كانت تمرير صفقة تتعارض مع المصلحة الوطنية أو الخيارات اللبنانية الكبيرة، كما لا يمكن لأحد النهوض بالبلد عن طريق التبعية لواشنطن أو الخارج، وقصة المواقف وزينة الشعارات الوطنية لا تفيد، لأنّ البلد مكشوف والكل يعرف نوايا الكل وما يُقَال بالغرف المغلقة”.
