من تثبيت الصمود إلى إدارة الانتصار: قراءة في خطاب القيادة الإيرانية الجديدة

كتب الصحفي و الكاتب “أكرم شمص” مقالا لموقع قناة العالم تطرق فيه الى قراءة الرسالتين الصادرتين عن قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى خامنئي، حيث انتقل الخطاب من مرحلة تثبيت النظام بعد استشهاد شهيد الأمة الإسلامية السيد علي خامنئي إلى مرحلة أكثر تقدّمًا عنوانها: إدارة الحرب الطويلة وإعادة تعريف الانتصار.

وهذا نص المقال:

أولاً: لحظة التحوّل… من الصدمة إلى إعادة البناء
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بما تتعرض له من ضربات، بل بقدرتها على تحويل الصدمة إلى مسار جديد للقوة. وهذا تحديدًا ما تكشفه قراءة الرسالتين الصادرتين عن قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى خامنئي، حيث انتقل الخطاب من مرحلة تثبيت النظام بعد استشهاد شهيد الأمة الإسلامية السيد علي خامنئي إلى مرحلة أكثر تقدّمًا عنوانها: إدارة الحرب الطويلة وإعادة تعريف الانتصار.

هذه اللحظة لم تكن مجرد انتقال قيادي، بل اختبار لقدرة الدولة على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى عنصر قوة. فالدول التي تنجح في إدارة لحظات الانكسار، غالبًا ما تخرج منها أكثر تماسكًا ووضوحًا في الرؤية الاستراتيجية.

ثانياً: من خطاب التثبيت إلى خطاب إدارة الصراع
لم تكن الرسالة الأولى سوى خطاب تأسيسي في لحظة صدمة، هدفه تثبيت الشرعية ومنع الانهيار النفسي والسياسي. أما الرسالة الثانية، فهي إعلان واضح أن إيران لم تكتفِ بالصمود، بل بدأت بإعادة صياغة رواية الحرب نفسها، عبر توصيفها كسلسلة حروب مترابطة: عسكرية، وأمنية، واقتصادية، ونفسية.
هذا التحوّل يعكس نضجًا في إدارة الصراع، حيث لم يعد الهدف فقط احتواء الضربة، بل تحويلها إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. وهنا يظهر الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستراتيجي الواعي.

ثالثاً: فشل الأهداف الكبرى للخصوم
لقد دخلت الولايات المتحدة والعدو الصهيوني هذه الحرب بسقف سياسي مرتفع، تمثل في كسر إيران أو تغيير نظامها أو إعادة رسم توازنات المنطقة. إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك؛ فلا النظام سقط، ولا الداخل تفكك، ولا محور الحلفاء انهار.
بل إن استمرار المؤسسات، وثبات الجبهة الداخلية، شكّل بحد ذاته فشلًا استراتيجيًا للخصوم. فالحروب لا تُقاس بما يُدمّر، بل بما يُفشل من أهداف، وهذا ما تحقق حتى الآن.

رابعاً: إعادة تعريف مفهوم الانتصار
في هذا السياق، يصبح “الانتصار” مفهومًا مختلفًا عن الأدبيات العسكرية التقليدية. فالنصر لا يُقاس بحجم الدمار، بل بمدى فشل الخصم في تحقيق أهدافه، وهو ما يعيد تعريف معايير النجاح في الحروب الحديثة.
وهكذا تحولت الحرب من “صدمة استراتيجية” إلى حرب استنزاف طويلة، حيث يصبح عامل الزمن جزءًا من المعركة. ومن يمتلك القدرة على الصمود الطويل، يمتلك القدرة على فرض شروطه تدريجيًا.

خامساً: من القوة العسكرية إلى الردع الشامل
أحد أبرز تحولات الخطاب هو إدراك أن المعركة لم تعد عسكرية فقط. فإلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة، برزت أدوات أخرى لا تقل أهمية: الاقتصاد، والإعلام، والوحدة الاجتماعية.
ومن هنا جاء مفهوم “الاقتصاد المقاوم” ليؤكد أن الجبهة الداخلية أصبحت ساحة موازية للمعركة. فكلما صمد الاقتصاد والمجتمع، تعزّزت قدرة الدولة على الاستمرار في المواجهة.

سادساً: الوحدة الداخلية كركيزة استراتيجية
إن التركيز على الوحدة الوطنية وظهور المسؤولين بين الناس في لحظات القصف يعكس إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة هنا ليست كيانًا منفصلًا، بل جزء من النسيج الاجتماعي الذي يخوض المعركة.
وهذا التماسك الداخلي يشكّل أحد أهم عناصر القوة، لأنه يسقط رهانات تفكيك الداخل، ويحوّل المجتمع إلى شريك فعلي في الصمود لا مجرد متلقٍ للأحداث.

سابعاً: محور المقاومة وهندسة الجبهات المفتوحة
إقليميًا، لم يعد محور المقاومة مجرد تحالف، بل أصبح جزءًا من هندسة ردع متعددة الجبهات. فوجود قوى مثل حزب الله و**أنصار الله** و**الحشد الشعبي** يجعل أي حرب على إيران حربًا مفتوحة في أكثر من ساحة.
هذا الامتداد لا يمنح طهران فقط عمقًا استراتيجيًا، بل يفرض على خصومها حالة استنزاف مستمرة، ويمنعهم من تركيز قوتهم في جبهة واحدة لتحقيق الحسم.

ثامناً: البعد الدولي وحدود القوة التقليدية
كشفت الحرب حدود القوة العسكرية التقليدية، حيث لم ينجح التفوق الجوي في فرض نتائج سياسية حاسمة. فالتجارب التاريخية تؤكد أن السيطرة على السماء لا تعني السيطرة على الأرض أو القرار السياسي.
كما أن أدوات الضغط الاقتصادي ارتدت جزئيًا على النظام العالمي، خاصة مع حساسية ممرات الطاقة مثل مضيق هرمز، ما جعل الصراع يتجاوز الإطار الإقليمي إلى بعد عالمي.

تاسعاً: البعد الروحي كأداة تعبئة استراتيجية
لا يمكن فهم الخطاب القيادي في الرسالتين دون التوقف عند البعد الروحي بوصفه أحد أهم أدوات إدارة الصراع، لا كعنصر تعبيري، بل كـ بنية تعبئة استراتيجية طويلة الأمد. ففي الرسالة الثانية، يتعمّق هذا البعد عبر ربط ثلاث مناسبات مختلفة الدلالة: شهر رمضان بما يحمله من شحنة إيمانية وانضباط جماعي، وعيد الفطر كرمز للخروج من الصبر إلى الفرج، ونوروز كرمزية للتجدد والحياة. هذا الدمج ليس عفوياً، بل يعكس محاولة واعية لإنتاج زمن معنوي متكامل يجعل المجتمع يعيش الحرب ضمن سياق روحي لا ضمن سياق أزمة فقط.

وفي هذا الإطار، يأتي استحضار فكرة الفرج المرتبط بالإمام المهدي بوصفها عنصرًا مركزيًا في الوعي العقائدي، حيث يتم نقل المعركة من مستوى الحدث السياسي إلى مستوى القدر التاريخي. فالحرب هنا لا تُقدَّم كصراع مرحلي، بل كجزء من مسار طويل نحو تحقيق العدالة، ما يمنح المجتمع قدرة أعلى على تحمّل التضحيات، ويحوّل الصبر من حالة اضطرار إلى خيار واعٍ له معنى وغاية.

أما الأهم، فهو الجمع بين الحزن والأمل في بنية واحدة. فذكر الشهداء لا يُقدَّم بوصفه خسارة فقط، بل كرافعة معنوية تُغذّي الاستمرار، حيث يتحول الألم إلى عنصر تعبئة، وتتحول التضحية إلى دليل على صواب المسار. هذا المزج الدقيق بين “ثقافة الشهادة” و”ثقافة النصر” يُنتج حالة نفسية مركّبة: حزن لا يُضعف، وأمل لا يُخدّر، بل يدفع نحو المزيد من الصمود.

من هنا، يتجاوز هذا الخطاب كونه دينيًا أو وجدانيًا، ليصبح أداة فعّالة في إدارة الوعي الجماعي خلال الحرب. فهو يعيد تعريف الخسائر، ويؤطر المعاناة ضمن معنى أوسع، ويمنح الزمن بعدًا إيجابيًا بدل أن يكون عامل استنزاف. وفي الحروب الطويلة، حيث تتآكل المجتمعات نفسيًا قبل أن تُهزم عسكريًا، يصبح هذا النوع من التعبئة أحد أهم عناصر القوة، لأنه يحوّل المجتمع من متلقٍ للأحداث إلى شريكٍ في إنتاج الصمود نفسه.

الخاتمة: الصلابة المرنة وإعادة رسم الشرق الأوسط
في الخلاصة، يمكن القول إن إيران لم تحقق انتصارًا تقليديًا حتى الآن، لكنها نجحت في تحقيق ما هو أهم: منع خصومها من تحقيق أهدافهم، وتحويل الحرب إلى مسار طويل يعيد تشكيل التوازنات.

ان الرسالة الثانية تعكس انتقال القيادة من مجرد الصمود إلى إدارة مرحلة ما بعد الصمود عبر تحويل التحمل إلى مشروع سياسي واقتصادي يعزز الاستقرار والقوة في الحرب الطويلة. اذا هي رسالة “الصلابة المرنة”، التي تجمع بين طمأنة الداخل وردع الخارج، وتؤسس لمرحلة “الاستقرار في ظل العاصفة”.

وفي هذا التحول، تتشكل ملامح شرق أوسط جديد… لا تُرسم حدوده بالصواريخ فقط، بل بإرادة البقاء وإدارة الصراع حتى النهاية.

بقلم د. أكرم شمص

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عاجل
حين يصبح الوعي جبهة: قراءة في بيان الشيخ نعيم قاسم النفط يرتفع بأكثر من 1.5% مع تقييم احتمالات وقف الحرب في المنطقة انفجارات متتالية في سماء القدس وتل أبيب وسائل إعلام إسرائيلية: رصد سقوط شظايا صاروخية في 6 مواقع على الأقل في تل أبيب الكرملين: التقارير بشأن تسليم إيران مسيرات روسية أخبار كاذبة وزير الدفاع الإسرائيلي: اغتلنا قائد سلاح البحرية في الحرس الثوري الإيراني وزير الخارجية الباكستاني: محادثات غير مباشرة بين أميركا وإيران عبر رسائل تنقلها إسلام آباد "رويترز": غارات جوية تستهدف موقعا لقوات الحشد الشعبي جنوب كركوك بالعراق باسيل من بعبدا: نحن ببداية جولة على المسؤولين ونقدم مقترحا لحماية لبنان لتجنيه الخطر الكبير من خلال ... الجبهة الداخلية الإسرائيلية: صفارات الإنذار دوت في مناطق بالجليل الغربي بعد رصد صواريخ جديدة من لبنا... "LBCI": إلغاء زيارة للسفير البابويّ إلى عين التينة الجميّل من بعبدا: قرار الحرب إيراني ولبنان يدفع الثمن وندعو لانتشار الجيش في كل المناطق وزير الخارجية المصري وصل إلى مطار بيروت وأكد أن بلاده ستستمر بتقديم المساعدات للبنان سلام اطّلع من السفير التركي على الجهود الإغاثية التي تقوم بها تركيا لمساندة لبنان في استجابته للنزوح وزير الأشغال استقبل شحنة مساعدات إنسانية مصرية: مهما اشتدت الازمات لن نتمكن من تجاوزها إلّا بوحدتنا بري يلتقي في هذه الاثناء في عين التينة سفيرة الاتحاد الاوروبي في لبنان الرئيس الفنلندي: المفاوضات بشأن أوكرانيا وصلت إلى طريق مسدود الإعلامية وفاء بيضون تهنئ والدتها الراحلة بعيد الأم .. "أمي أشتاقك"! بيان صادر عن حزب الراية الوطني