زياد موسى
في تاريخ الأزمات اللبنانية، قلّما اجتمع ضغط الخارج مع انقسام الداخل كما اجتمعا في ثمانينيات القرن المنصرم.
يومها، وسط الحرب الأهلية وتشظّي القرار، برز نبيه بري لاعباً سياسياً يقرأ المآلات قبل أن تتضح، ويختار الدولة خياراً استراتيجياً لا شعاراً ظرفياً. لم يكن الطريق معبّداً، ولا الإجماع متوافراً، لكن الرجل انحاز باكراً إلى تسويةٍ تُعيد بناء المؤسسات وتُنهي الحرب عبر الدستور.
عندما طُرِح اتفاق الطائف، كان بري من بين الذين رأوا فيه المخرج الممكن من نفق الدم.
لم يقرأ الاتفاق باعتباره تنازلاً طائفياً، بل بوصفه إعادة توزيعٍ متوازنٍ للسلطات ضمن دولة واحدة، وتثبيتاً لمرجعية الدستور بعد سنوات من التفكك.
في تلك اللحظة المفصلية، اختار منطق الدولة على منطق الغلبة، ومنطق التسوية على منطق المغامرة.
ولعلّ واحدة من أكثر المحطات دلالة كانت موقفه من إعادة التموضع للقوات السورية بعد بيان المطارنة من بكركي عام 2000. يومها، تحدّث بري بلغةٍ بدت لكثيرين سابقةً لزمنها، فاتهمه بعض القريب قبل البعيد، وارتفعت سهام التخوين من داخل الصفوف قبل خارجها.
لكنه، بخبرته السياسية، كان يدرك أبعاد اللحظة بعد بيان المطارنة وتداعياته الداخلية والخارجية، وأن أي تموضعٍ جديد يجب أن يُقرأ في سياق حماية الاستقرار ومنع الانزلاق. لم يُفهَم آنذاك، فقال عبارته التي بقيت شاهداً على مرارة المرحلة: «سكتت شهرزاد عن الكلام»، واعتصم بالصوم، تاركاً للأيام أن تشرح ما عجزت السياسة عن شرحه في حينه.
اليوم، وفي زمن صومٍ لدى كل الطوائف اللبنانية، تعود البلاد إلى مفترق طرق جديد. الانقسام حاد، والشارع مثقل، والجنوب ينزف نزوحاً وألماً، فيما الدولة تقف على حافة اختبار وجودي.
في هذه اللحظة، ينحاز بري مجدداً إلى خيار الدولة، بالحكمة ذاتها التي قادته إلى الطائف والدستور. لا يرفع سقف الخطاب، ولا يساير نزعات المزايدة، بل يتمسّك بمؤسساتٍ يعرف أن سقوطها هو السقوط الأكبر.
وكما حدث يوم بيان بكركي، يتعرّض اليوم للسهام نفسها: تخوينٌ من صديق قبل خصم، وتشكيكٌ في النيات قبل قراءة الوقائع. غير أن من يرجم بري اليوم قد لا يدرك أبعاد ما يفعل؛ فالمشهد أعقد من شعارات، والبلاد أرهقها فائض الانفعالات.
في الأزمات الكبرى، ليست الحكمة ترفاً بل شرط بقاء، وليست البراغماتية ضعفاً بل قراءةً لموازين القوى وحساباً للكلفة الوطنية.
بعد كل المآسي التي عصفت بالنازحين من الجنوب في الشوارع، وبعد كل هذا الوقوف القلق على مفترق الطرق، يبقى خيار الدولة هو الخيط الأخير الذي يجمع اللبنانيين. ومن خبر مسار العقود الماضية يعرف أن السياسة ليست سباق أصوات، بل امتحان مسؤولية.
ولعلّ العبارة الأبلغ في خاتمة هذا المشهد ما يختصر الألم والرجاء معاً: يا أبتاه سامحهم، فإنهم لا يدركون أبعاد ما أطلقوا ويطلقون.
زياد موسى

