أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، في عظته خلال خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، الى أننا “اليوم تنتهي فترة التهيئة للصوم الكبير المقدس ونبدأ غدا الإثنين رحلتنا الروحية نحو عيد الأعياد وموسم المواسم، فنرفع السمك ومشتقات الحليب عن موائدنا ونكثف الصلوات بغية تطهير القلب والنفس، عاملين بما جاء في رسالة اليوم: لندع عنا أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور”.
وذكر عودة، أن “اليوم، في بدء الطريق نحو الصوم الكبير، تقيم كنيستنا المقدسة تذكار طرد آدم من الفردوس بعد معصيته كلام الله، واضعة أمام أعيننا هدف صومنا: إستعادة الملكوت المفقود الذي خسرناه بسبب الخطيئة، لكن الرب أعاد فتحه أمامنا بموته عنا وقيامته”.
ولفت الى أنه “يضع أمامنا إنجيل اليوم، شرطا واضحا للعودة: إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم. فالغفران ليس فضيلة ثانوية، إنما هو باب الصوم، لا بل باب الملكوت ذاته”.
وأكد أن “الخطيئة سبات، والغفران يقظة. الحقد ظلمة، والمصالحة نور. لذلك، لا يمكن أن ندخل الصوم ونحن نحمل الضغائن في قلوبنا، لأن الصوم ليس امتناعا عن الطعام وحسب، بل تخل عن أعمال الظلمة. الصوم الحقيقي يكون في خلع الإنسان العتيق والتوشح بالمسيح، كما يقول الرسول بولس: إلبسوا الرب يسوع المسيح ولا تهتموا بأجسادكم لقضاء شهواتها (رو 13: 14)”.
وقال “في رسالة اليوم يدعو الرسول بولس إلى عدم إدانة الأخ قائلا: من أنت يا من تدين عبدا أجنبيا. إنه لمولاه يثبت أو يسقط (رو 14: 4). وكأن الكنيسة، في هذا الأحد، تربط بين الغفران وعدم الإدانة. فمن لا يغفر يدين، ومن يدين يضع نفسه موضع الله. لكننا جميعا عبيد محتاجون إلى الرحمة. لذلك، قبل أن نطلب إلى الله أن يغفر لنا في الصوم، علينا أن نغفر نحن أيضا”.
وأكد أن “صلاة الغفران التي نقيمها في هذا المساء، حين ننحني بعضنا لبعض طالبين الصفح، ليست مجرد تقليد، بل فعل خلاصي. إنها إعلان بأننا لا نستطيع أن نسير في الصوم وحدنا، بل كجسد واحد، متصالحين، متواضعين، معترفين بضعفنا. يذكرنا القديس باسيليوس الكبير بأن الصوم الحقيقي هو الإبتعاد عن الشر، وضبط اللسان، وترك الغضب، وقطع الشهوات. لذا، أمامنا طريقان: إما أن نبقى خارج الفردوس، متمسكين بمراراتنا وكبريائنا وخطايانا، أو أن نقرع باب الرحمة بالغفران والتوبة. لا تذكرنا الكنيسة بطرد آدم لتخيفنا، بل لتوقظ فينا الشوق إلى العودة. فالمسيح، آدم الجديد، فتح لنا باب الفردوس بصليبه، ونحن مدعوون أن ندخل من هذا الباب بقلب نقي”.
وسأل “هل كثير أن يبذل الإنسان بعضا مما لديه من أجل إخوته؟ أو أن يبذل المسؤولون قصارى جهدهم من أجل خير من اؤتمنوا على مصائرهم، فلا يهملون أو يظلمون أو يساومون أو يغضون الطرف عن حقوق المواطنين أو يفرضون الضرائب التي تثقل كاهل الشعب عوض إيجاد الطرائق المناسبة لحل المشاكل، وإجراء الإصلاحات اللازمة، واعتماد الشفافية والعدل والحوكمة الرشيدة من أجل إعادة الثقة بالبلد”.
وأردف عودة “فلنستيقظ إذا من نوم الإهمال، ولنخلع أعمال الظلمة: الخصام، الحسد، الكبرياء، الإدانة، الأنانية، الجشع، قلة الأمانة … ولنلبس أسلحة النور: الغفران، الإتضاع، التسامح، الوداعة، المحبة … ولنكنز كنوزا في السماء، حيث المسيح جالس عن يمين الآب. ولنبدأ صومنا بقرار صادق: أن نغفر من القلب، كما غفر لنا الله في المسيح. عندئذ، لا يكون الصوم عبئا وحزنا، بل يكون نعمة وفرحا فصحيا يسبق القيامة”.
وأكد أنه “حين نسير في هذا الطريق، تختبر قلوبنا ما اختبره آدم حين سمع وعد الخلاص: أن رحمة الله أعظم من خطيئتنا، وأن الفردوس ليس حلما ضائعا، بل دعوة مفتوحة لكل من يتوب ويغفر ويحب”.
