حرية الإعلام تحت النار… حين يُستهدف حَمَلة الحقيقة

حسين صدقة

في الحروب، تتكاثر الضحايا وتتداخل المشاهد، لكن يبقى مشهد واحد أشدّ إيلاماً: صحافي يحمل كاميرته أو ميكروفونه، يقف في العراء لينقل الصورة، فيتحول هو نفسه إلى هدف. في ظلّ العدوان الإسرائيلي المتكرر، لم يكن الإعلام بعيداً عن دائرة النار، بل كان في قلبها. استهداف الصحافيين لم يعد حادثاً عرضياً، بل بات مشهداً متكرراً يهدد جوهر العمل الإعلامي ورسالة الحقيقة.

حرية الإعلام ليست ترفاً يُمارس في أوقات السلم فقط، بل هي ضرورة إنسانية في زمن النزاعات. فحين تُقصف البيوت وتُدمّر الأحياء، يصبح الإعلام عين العالم على الحقيقة. ومن دون هذه العين، يسهل طمس الوقائع وتضليل الرأي العام. لذلك، فإن الاعتداء على الإعلاميين لا يعني فقط إسكات أفراد، بل يعني محاولة إسكات الرواية بأكملها.

الصحافي في الميدان لا يحمل سلاحاً، بل يحمل مسؤولية. يقف وسط الدمار ليعطي للضحية اسماً وصوتاً وصورة. يوثق اللحظة كي لا تتحول المأساة إلى رقم عابر. لكن حين يُستهدف، تكون الرسالة واضحة: المطلوب إطفاء الكاميرا قبل أن تلتقط المشهد، وإسكات الصوت قبل أن يصل صداه إلى العالم.

ولا يقتصر الخطر على القصف المباشر أو الاستهداف العسكري، بل يمتد إلى محاولات كمّ الأفواه والتضييق على العمل الإعلامي. فحرية الإعلام لا تتجزأ، ولا يجوز أن تُمنح وفق معايير انتقائية أو حسابات سياسية. الاستنسابية في حماية الصحافيين أو في إدانة استهدافهم تُفقد هذا الحق معناه، وتجعل الحرية خاضعة لموازين القوى بدل أن تكون مبدأً ثابتاً.

في لبنان أيضاً، لم يكن الإعلاميون بمنأى عن المخاطر. فقد سقط عدد منهم أثناء تغطية الاعتداءات على الجنوب، وهم يؤدون واجبهم المهني على الأراضي اللبنانية. هؤلاء لم يكونوا طرفاً في الصراع، بل شهوداً عليه. دمهم شكّل جرس إنذار جديد حول ضرورة حماية الصحافيين، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تتحول سريعاً إلى ساحات مواجهة مفتوحة.

إلى جانب المخاطر الأمنية، يواجه الإعلاميون في لبنان تحديات أخرى، من ضغوط سياسية واقتصادية، إلى محاولات الترهيب والدعاوى القضائية التي قد تُستخدم أحياناً كأداة ضغط. وهنا تبرز أهمية التأكيد على أن حرية الإعلام لا يمكن أن تكون انتقائية: لا دفاع عنها عندما تخدم رأياً معيّناً، ولا صمت عنها عندما تتعارض مع مصالح جهة ما. الحرية الحقيقية هي التي تحمي الجميع، مهما اختلفت مواقفهم.

إن الإفلات من المحاسبة، سواء في استهداف الصحافيين ميدانياً أو في التضييق عليهم قانونياً ومعنوياً، يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات. وبيانات الإدانة وحدها لا تكفي. المطلوب آليات واضحة للمساءلة، وضمانات فعلية لسلامة الإعلاميين، وإرادة سياسية تحمي حق الناس في المعرفة.

ورغم كل ذلك، يستمر الصحافيون في أداء رسالتهم. يعودون إلى الميدان بعد كل استهداف، يرفعون الكاميرا من جديد، ويقفون أمام الركام ليقولوا: هنا الحقيقة. هذه الشجاعة ليست بحثاً عن بطولة، بل التزاماً مهنياً وأخلاقياً تجاه مجتمع من حقه أن يعرف.

حرية الإعلام ليست قضية تخص الصحافيين وحدهم، بل هي حق المجتمع بأسره. وحين يُستهدف الإعلامي، يُستهدف حق الناس في المعرفة. وحين تُكمّم الأفواه أو تُمارس الاستنسابية في حماية هذا الحق، يُصاب جوهر العدالة في الصميم. لذلك، فإن الدفاع عن الإعلام الحر، في لبنان وفلسطين وكل مكان، هو دفاع عن الحقيقة، وعن الإنسان، وعن حق الشعوب في أن ترى الصورة كاملة بلا حذف أو خوف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عاجل
وزير الطاقة الأميركي اعلن أن الحظر النفطي على فنزويلا انتهى عمليا مجلس النواب الاميركي صوت لصالح إلغاء رسوم جمركية فرضها ترامب على كندا وزير الخارجية الأوكراني: سلطات روسيا شنت الليلة الماضية هجوما وحشيا على كييف ودنيبرو وأوديسا غوتيريش: الشرع ووزيرا الداخلية والخارجية السوريان تعرّضوا لخمس محاولات اغتيال العام الماضي الدفاع السورية: الجيش استلم قاعدة التنف العسكرية بعد التنسيق مع الجانب الأميركي سلطات روسيا حظرت تطبيق "واتساب" لعدم امتثاله للتشريعات الروسية حرية الإعلام تحت النار… حين يُستهدف حَمَلة الحقيقة مرقص: ستحسم الحكومة خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني الأسبوع المقبل في صحف اليوم: الانتخابات في 10 أيار حتمية ولا تأجيل إلا في ظروف قاهرة قبيسي: لبنان ليس بحاجة لوزير يشرّع لإسرائيل اعتداءاتها وزيارة سلام إلى الجنوب خطوة جيدة السفير الياباني: بلادنا تدعم جهود الحكومة لتنفيذ الإصلاحات وإرساء السيادة الكاملة على أراضي لبنان نواب من "الجمهورية القوية" تقدموا بسؤال للحكومة بشأن أدوية غير مطابقة للمواصفات في السوق اللبناني "النشرة": لم يتقدم أي مرشح للانتخابات النيابية بأوراقه الرسمية إلى وزارة الداخلية حتى الآن أمير دولة قطر بحث هاتفيا مع ترامب الجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والسلم الإقليم... ارتفاع سعر الذهب بنسبة 0.3 بالمئة إلى 5038.73 دولارا للأوقية الرئيس الايراني: لا نسعى إلى السلاح النووي ومستعدون لكل أشكال التحقق والتدقيق الخارجية الإيرانية: مستعدون للتفاوض على نسبة تخصيب اليورانيوم وحجم مخزونه المخصب شمخاني: أي استهداف لإيران ولو كان محدودا سنعتبره بداية حرب ولن نكون مقيدين بحدود لافروف: روسيا ستتخذ "تدابير مضادة" في حال تحويل غرينلاند منطقة عسكرية الخارجية العراقية: استدعاء السفير التركي في بغداد على خلفية تصريحات لوزير الخارجية التركي في مقابلة ...