خاص الوفاق: لا يمكن قراءة تحذيرات الإمام السيد علي الخامنئي من «الحرب الناعمة» بوصفها خطابًا دينيًا أو تعبويًا تقليديًا، بل كتشريحٍ نقدي عميق لأحد أخطر مفاهيم الهيمنة الحديثة، أي «القوة الناعمة» كما صاغها المنظّر الأميركي جوزيف ناي؛ فحين يُنظر إلى هذا المفهوم من زاوية المجتمعات المستهدفة لا من موقع القوة المُصدِّرة، يتحوّل من أداة «جاذبية» إلى شكل متقدّم من الحرب غير المعلنة، حرب لا تُخاض بالمدافع والطائرات بل داخل العقول والنفوس، حيث يُستهدف وعي الإنسان وإرادته وثقته بذاته وبمستقبله.
وفي هذا الإطار، يقدّم السيد الخامنئي قراءة تربط بين النظرية الأميركية في القوة الناعمة وتطبيقاتها العملية التي تمهّد لـ«الفوضى الخلّاقة»، كاشفًا كيف يصبح التيئيس وزعزعة الثقة مقدّمة لتفكيك الدول من الداخل، وفي المقابل يطرح معادلة «المناعة الوطنية» القائمة على الجمع بين الوعي السياسي والاقتدار العلمي، بوصفهما خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النمط الأخطر من الحروب المعاصرة.
كيف تتحوّل «القوّة الناعمة» إلى بوّابة للفوضى وتفكيك المجتمعات؟
يركّز الإمام الخامنئي في مقاربته للحرب الناعمة على أنّ جوهرها ليس الترويج الثقافي ولا «جاذبية النموذج» كما تُقدَّم في الأدبيات الغربية، بل «هندسة اليأس» بوصفها سلاحًا استراتيجيًا لتفكيك المجتمعات من الداخل. فالغرض المركزي، كما يشخّصه، هو نزع الأمل وبثّ الشك المنهجي، عبر تضخيم الإخفاقات وتشويه الإنجازات وتفريغ الفعل المقاوم من معناه، بما يؤدي إلى تآكل الثقة بين المجتمع وقيادته وبين الفرد وذاته. هذه الآلية تتطابق مع ما يُعرف في نظريات الحرب النفسية والحرب الإدراكية الحديثة، حيث لا يُستهدف الوعي عرضًا بل يُعاد تشكيله قسرًا، ليصل الفرد في النهاية إلى قناعة قاتلة مفادها أن المقاومة عبث، وأن الإصلاح مستحيل، وأن الخضوع هو الخيار «العقلاني» الوحيد. وما شبّهه السيد بحروب الإشاعة في زمن أمير المؤمنين، لا يبدو اليوم إلا نسخة أولية مقارنة بما تمارسه غرف العمليات الإعلامية المعاصرة عبر الفضاء الرقمي.
ولا تعمل هذه الاستراتيجية في فراغ، بل تشكّل الجسر الضروري نحو ما يُعرف بـ«الفوضى الخلّاقة»، حيث يتحوّل اليأس الممنهج إلى فراغ سياسي واجتماعي يجعل الدولة هشّة والمجتمع قابلًا للاشتعال الذاتي. فحين تتزعزع الثقة الداخلية ويتفكك المعنى المشترك، يصبح الانقسام نتيجة طبيعية لا حدثًا طارئًا، وتغدو الفتن الداخلية أداة فعّالة لتفكيك الدول من دون جندي واحد. هنا يتحقق ما حذّر منه الإمام الخامنئي بدقة: إضعاف البلاد وضعضة وحدتها عبر تفكك ذاتي مُدار، يسمح بإعادة هندسة المجتمعات أو إخضاعها بأقل كلفة ممكنة. إنها حرب بلا دبابات، لكنها أشد أثرًا، لأنها تصيب الروح الجماعية في صميمها قبل أن تمسّ الجغرافيا.
العِلم كجبهة مقاومة.. حين يحمي الإنجاز الملموس حصانة الوعي
يُقدّم الإمام الخامنئي في مواجهته للحرب الناعمة معادلة استراتيجية حاسمة قوامها أن الخطاب وحده عاجز عن تحصين المجتمعات ما لم يُسند بإنجاز علمي وقوة رادعة، إذ يتحوّل التقدّم العلمي من فعل تقني إلى فعل مقاوم بامتياز. فحين يتحدث عن إطلاق الأقمار الاصطناعية، والتقدّم في تقنيات النانو والطب والصناعات الدفاعية، لا يقدّم سجلّ إنجازات بقدر ما يؤسّس لمفهوم «الردع المعنوي» الذي يُعيد إنتاج الأمل ويكسر صورة التبعية ويُسقط سردية العجز التي تراهن عليها الحرب النفسية. وفي هذا السياق، يصبح كل إنجاز ملموس دليلاً حيًا على قدرة المجتمع على الفعل والاستمرار، ويغدو العلم ترياقًا مباشرًا ضد اليأس الممنهج؛ إذ إن المواطن الذي يرى أثر القوة على أرض الواقع، علميًا أو ميدانيًا، يصبح محصّنًا تلقائيًا ضد دعايات الإحباط والهزيمة. إن هذا التقدم العلمي هو “الترياق” المضاد لسموم الحرب الناعمة. فكل قمر صناعي يعانق الفضاء، وكل إنجاز طبي أو دفاعي، هو رصاصة في نعش اليأس، ودليل ملموس على حيوية الشعب وقدرة شبابه النخبة. وهنا تتحول المختبرات ومنصات الإطلاق إلى خنادق متقدمة، تثبت أن “القوة الصلبة” (العلمية والعسكرية) هي الدرع الذي يحمي “القوة الناعمة” (المعنويات والأمل).
سقوط قناع المفاوضات.. حين تتحوّل الدبلوماسية لأداة خداع
يكشف الإمام الخامنئي بوضوح عن الوجه المستتر لما يُسوَّق غربياً بوصفه «قوة ناعمة»، مبيّنًا أن الدبلوماسية والمفاوضات، حين تُدار بالتوازي مع التحضير للحرب، لا تعود مسارًا للحل بل تتحول إلى أداة اختراق استراتيجية. وفي هذا الإطار، لا تظهر القوة الناعمة والقوة الصلبة كخيارين منفصلين في السلوك الأميركي، بل كوجهين متكاملين لعقيدة واحدة: الأولى تُستخدم لتخدير الخصم وفتح ثغراته النفسية والسياسية، والثانية تُفعَّل لحظة اكتمال شروط الضربة. ويستشهد الإمام الخامنئي بتجربة «حرب الاثني عشر يومًا» بوصفها دليلًا كاشفًا، إذ لم يلجأ العدو إلى طلب وقف إطلاق النار إلا بعد اصطدامه بجدار القوة الصلبة للشعب، ما يفضح أن رسائل التهدئة ليست إلا انعكاسًا للعجز الميداني لا حسن النيات. من هنا تتأسس قاعدة «عدم الثقة» لا كموقف أيديولوجي، بل كضرورة دفاعية عقلانية، لأن التفاوض مع عدو يخطط للحرب خلف الابتسامات الدبلوماسية لا يُفضي إلى تسوية، بل إلى انتحار سياسي مموّه.
المناعة الداخلية.. «أشدّاء… رحماء» كمعادلة حصانة حضارية
يختتم الإمام الخامنئي رؤيته الاستراتيجية بالعودة إلى المبدأ القرآني الحاكم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا بل خريطة طريق عملية لتحصين الجبهة الداخلية في قلب حرب مستمرة تتبدّل أدواتها من البارود إلى الشائعة ومن الحصار إلى الابتسامة المخادعة. فإزاء حرب ناعمة تستهدف وحدة المجتمع ومعناه المشترك، تصبح الرحمة الداخلية -وما تتيحه من تلاحم اجتماعي وصناعة أمل- ضرورة وجودية تمثل خط الدفاع الأول ضد التفكيك، بينما تُجسّد الشدّة في الخارج يقظةً وحذرًا وردعًا علميًا وعسكريًا يمنع الاختراق ويكسر هيبة الضغوط. بهذه المعادلة المتوازنة، تتحول المقاومة من فعل ظرفي إلى منظومة حضارية متكاملة: تبني الوعي لتحصين المجتمع، وتراكم القوة لمنع الإخضاع، وتثبت أن الانتصار لا يُنال بالسلام الموهوم ولا بالحرب العمياء، بل بامتلاك عناصر القوة في العقول والقلوب والقرار.
خاتمة: حين تصبح المقاومة وعيًا وقوّةً معًا
تكشف القراءة المتكاملة لما طرحه الإمام الخامنئي أنّ الصراع القائم لم يعد محصورًا بين حرب وسلام، بل بات مواجهة مفتوحة مع منظومة هيمنة شاملة تُبدّل أدواتها دون أن تغيّر غاياتها، من القصف إلى الشائعة، ومن الحصار إلى التفاوض المخادع. في هذا السياق، تتقدّم «الحرب الناعمة» بوصفها الأخطر، لأنها تستهدف الإنسان في وعيه وثقته وأمله، قبل أن تستهدف جغرافيته. غير أنّ الرد، كما يبلوره هذا التصور، لا يكون بالانفعال ولا بالخطاب وحده، بل ببناء منظومة مناعة وطنية قوامها العلم كفعل مقاومة، والقوة الرادعة كضمانة سيادية، والوحدة الداخلية كشرط بقاء. هكذا تتأسس المقاومة كخيار حضاري طويل النفس، يواجه الهيمنة بإنتاج المعنى، ويُفشل الفوضى بصناعة الأمل، ويثبت أن الأمم التي تمتلك وعيها وقدرتها على الفعل لا تُهزم، مهما تنوّعت أساليب الحرب عليها.

